أنا بخير
6 دقائق قراءة · 1,024 كلمة
«أحيانًا، لا نحتاج إلى من ينقذنا من الحياة، بل إلى من يشعر بنا ونحن نحاول النجاة منها.»
لم أكن أحب الصباح.
ليس لأنني أكره ضوء الشمس، ولا لأن النوم كان الشيء الوحيد الذي أريده، بل لأن الصباح كان يجبرني على العودة إلى كل شيء أحاول نسيانه في الليل.
إلى وجوه أعرفها، وأحاديث أحفظها، وأيام تتشابه حتى أصبحت عاجزة عن التمييز بينها.
رنّ المنبّه للمرة الثالثة.
مددت يدي من تحت الغطاء وأوقفته، ثم بقيت أحدّق في السقف.
كان هناك شقّ صغير قرب المصباح، لم ألاحظه إلا منذ أشهر. لا أعرف لماذا كنت أنظر إليه كل صباح، ربما لأنني وجدت فيه شيئًا يشبهني؛ شيء لم يكن موجودًا في البداية، ثم ظهر فجأة، وكبر قليلًا مع مرور الوقت، حتى أصبح من الصعب تجاهله.
تنهدت وأغمضت عينيّ.
«خمس دقائق فقط.»
قلت ذلك لنفسي، كما أفعل كل صباح، وكأن خمس دقائق إضافية قادرة على تغيير شيء في حياتي.
لكن صوت أمي جاء من خلف الباب:
— ليان! هل استيقظتِ؟ ستتأخرين!
— نعم يا أمي، استيقظت!
كذبة الصباح الأولى.
نهضت أخيرًا، رتبت سريري، وغسلت وجهي، ثم وقفت أمام المرآة.
تأملت ملامحي للحظات.
هل أبدو متعبة إلى هذا الحد؟
اقتربت قليلًا، مررت أصابعي تحت عينيّ، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لا بأس.
يمكنني فعل ذلك مجددًا.
يمكنني الخروج، والتحدث، والضحك عندما يضحك الآخرون، والإجابة عن سؤال «كيف حالك؟» بالإجابة نفسها التي أستخدمها منذ زمن.
أنا بخير.
ثلاث كلمات فقط، لكنها كانت تتسع لكل ما لم أستطع قوله.
---
كانت رائحة الخبز والشاي تملأ المطبخ عندما دخلت.
جلست إلى الطاولة، وبدأت أتناول فطوري بصمت، بينما كانت أمي ترتب بعض الأشياء وتطلب من أخي الصغير أن يسرع قبل أن يفوته موعد المدرسة.
نظرت إليها.
كانت تبدو متعبة أيضًا.
لاحظت خصلة شعر سقطت على جبينها، ويدها التي لم تتوقف عن الحركة منذ استيقظت.
كدت أقول لها:
«أمي، هل أنتِ سعيدة؟ هل تشعرين أحيانًا أنكِ تعبتِ من كل شيء؟ هل تمنيتِ يومًا لو استطعتِ الجلوس قليلًا دون أن يطلب منكِ أحد شيئًا؟»
لكنني لم أقل شيئًا.
ربما لأنني كنت أخشى أن تكون لديها أسئلتها الخاصة التي لا تجد لها إجابة.
وربما لأنني بدأت أتعلم أن لكل إنسان حزنه الذي يحاول إخفاءه بطريقته.
التفتت إليّ فجأة.
— ليان، لماذا لا تأكلين جيدًا هذه الأيام؟
رفعت رأسي.
— لست جائعة كثيرًا.
— أنتِ دائمًا هكذا. اجتهدي في دراستك، واهتمي بنفسك، ولا تبالغي في التفكير.
أومأت برأسي.
— حسنًا يا أمي.
ثم عادت إلى ما كانت تفعله.
انتهى الحديث قبل أن يبدأ.
نظرت إلى قطعة الخبز في يدي، وشعرت برغبة غريبة في البكاء.
لماذا يحدث ذلك؟
لماذا يمكن لجملة عادية أن تجعلني حزينة إلى هذا الحد؟
كانت أمي تحبني، أعرف ذلك. لم تكن امرأة قاسية، ولم تكن حياتنا مأساوية كما في القصص التي قرأتها.
كان لدينا بيت، وطعام، وأشخاص نعود إليهم كل مساء.
ومع ذلك، كان هناك شيء ناقص.
شيء لا أعرف كيف أشرحه دون أن أبدو جاحدة لكل ما أملكه.
«هل يجب أن تكون حياتنا سيئة حتى يحق لنا أن نحزن؟»
سألت نفسي، ولم أجد جوابًا.
---
في الطريق، كان الناس يسيرون بسرعة، والسيارات تتزاحم، وأصوات الباعة تختلط بأصوات المارة.
كل شخص كان يبدو مشغولًا بشيء ما.
رجل يتحدث في هاتفه، امرأة تحمل أكياسًا ثقيلة، طفل يبكي لأنه لا يريد الذهاب إلى المدرسة، وفتاة تضحك مع صديقتها وهي تمسك بيدها.
راقبتهما للحظة.
تساءلت إن كانت تلك الفتاة تعرف كم تبدو سعيدة وهي تضحك دون أن تفكر في شكل ضحكتها، أو إن كانت صديقتها تعرف أنها تجعل يومها أفضل بمجرد وجودها.
ثم أشحت بنظري.
لماذا كنت أفكر في أشياء كهذه؟
لماذا كنت أبحث عن المعاني في أبسط التصرفات؟
أخرجت هاتفي، فتحت إحدى المحادثات القديمة، وقرأت رسالة كنت قد كتبتها ولم أرسلها.
«أشعر أنني لست على ما يرام، لكنني لا أعرف كيف أشرح ذلك.»
بقيت أنظر إليها طويلًا.
ثم حذفتها.
ليس لأنني لم أعد أشعر بما كتبته، بل لأنني لم أعد أعرف لمن كان ينبغي أن أرسلها.
أعدت الهاتف إلى حقيبتي، وواصلت السير.
كان عليّ أن أصل في الوقت المحدد.
كان عليّ أن أدرس، وأن أجيب عندما يسألني أحدهم، وأن أعود إلى المنزل، وأن أفعل كل الأشياء التي يفعلها الناس عادة.
كانت الحياة مستمرة.
وهذا، لسبب لم أفهمه، جعلني أشعر بوحدة أكبر.
---
في المساء، عدت إلى غرفتي وأغلقت الباب بهدوء.
وضعت حقيبتي جانبًا، وجلست على حافة السرير.
كان يومًا عاديًا.
لم يحدث شيء سيئ على وجه التحديد. لم أتشاجر مع أحد، ولم أبكِ أمام أحد، ولم أتلقَّ خبرًا مؤلمًا.
ومع ذلك، شعرت بأنني أريد أن أخلع اليوم كله عن كتفيّ، كما يخلع المرء معطفًا ثقيلًا بعد عودته إلى المنزل.
أخرجت دفترًا قديمًا من درج مكتبي.
لم أكن أكتب فيه يوميًا. كنت أعود إليه فقط عندما تصبح أفكاري أعلى من قدرتي على احتمالها.
فتحت صفحة فارغة، وأمسكت القلم.
كتبت التاريخ.
ثم توقفت.
ماذا أكتب؟
أنني حزينة؟
لكنني كنت حزينة منذ مدة، حتى إنني لم أعد أعرف متى بدأ ذلك.
أنني وحيدة؟
لكنني لم أكن وحدي فعلًا.
أنني أريد أن يتغير شيء؟
أي شيء؟
وضعت رأس القلم على الورقة، وكتبت أخيرًا:
«اليوم، سألني أحدهم إن كنت بخير.
أجبته بنعم.
لا أتذكر من كان، ولا أتذكر حتى إن كان ينتظر إجابتي فعلًا.
كل ما أتذكره أنني تمنيت للحظة لو أنني قلت الحقيقة.
ليس كل الحقيقة، بالطبع. لا أظن أنني أستطيع ذلك حتى لو أردت.
كنت سأقول فقط إنني متعبة.
متعبة من أشياء لا تبدو مهمة عندما أحاول شرحها، ومن مشاعر لا أستطيع إثباتها لأحد، ومن حاجتي المستمرة إلى إقناع نفسي بأن كل شيء على ما يرام.
أحيانًا، أشعر أنني أنتظر شيئًا لا أعرف ما هو.
رسالة؟ كلمة؟ يومًا مختلفًا؟
أم أنني أنتظر أن أستيقظ ذات صباح وأجد أنني أصبحت أخفّ، وأن الأشياء التي كانت تؤلمني لم تعد تفعل ذلك؟
لا أعرف.
لكنني أعرف أنني سئمت من قول إنني بخير.
وسئمت أكثر من شعوري بأن عليّ أن أكون بخير.»
توقفت عن الكتابة.
قرأت ما كتبت مرة، ثم أغلقت الدفتر.
لم أشعر بتحسن كبير.
لم تختفِ الأفكار، ولم تصبح حياتي مختلفة.
لكنني، للمرة الأولى منذ مدة، لم أضطر إلى الكذب.
كان ذلك كافيًا لهذه الليلة.
---
قبل النوم، سمعت أمي تناديني من المطبخ:
— ليان، هل تريدين شيئًا قبل أن تنامي؟
نظرت إلى الباب.
كان بإمكاني أن أقول لا، كما أفعل دائمًا.
لكنني ترددت قليلًا، ثم أجبت:
— لا يا أمي، شكرًا.
أطفأت المصباح واستلقيت.
لم أكن أريد شيئًا من المطبخ.
كنت أريد أن تدخل أمي، وتجلس بجانبي قليلًا، وتسألني عن يومي، ثم تستمع إلى إجابتي حتى النهاية.
كنت أريد أن أخبرها بأشياء كثيرة، حتى لو لم تستطع حلّها.
لكنني لم أطلب ذلك.
ليس لأنني لم أكن بحاجة إليه، بل لأنني لم أعرف كيف أطلب شيئًا لم أعتد الحصول عليه.
أغمضت عينيّ، وقلت لنفسي إن الغد سيكون يومًا آخر.
ربما سيكون أفضل.
وربما سيكون عاديًا فحسب.
لم أعد أطلب من الحياة الكثير.
أردت فقط أن يأتي يوم لا أحتاج فيه إلى إقناع نفسي بأنني بخير.
يوم أستطيع فيه أن أقول إنني حزينة، دون أن أضطر إلى تبرير حزني.
ثم نمت.
وفي الغرفة المجاورة، كانت أمي ترتب المطبخ قبل أن تنام هي الأخرى.
لم تكن تعرف أن ابنتها كتبت عنها في دفترها ذلك المساء.
ولم تكن تعرف أن ليان كانت تحبها، رغم كل الكلمات التي لم تقلهما إحداهما للأخرى.
وربما، لو عرفتا كيف تتحدثان عمّا تخفيانه، لاختلفت أشياء كثيرة.
لكن تلك الليلة انتهت كما انتهت ليالٍ كثيرة قبلها.
بهدوء.
وبكلمات لم تُقل.
وبفتاة أخرى قالت إنها بخير، وصدّقها الجميع.
نهاية الفصل الأول.