"آخر قطار على الأرض"بقلم Mbalish فصل 1

القصة...

9 دقائق قراءة · 1,617 كلمة

تسربت الرطوبة إلى عظامي في ذلك اليوم الخريفي، وزادت الغيوم التي غطت الشمس الجوَّ سوءًا وبردًا. أخرجتُ نفسًا متجمدًا من بين شفتَي المتشققتين، كأن المعطف الطويل الذي أرتديه، والقبعة السوداء التي تعلو رأسي لم يسعفاني من برد ذلك اليوم.

بقيت أنظر إلى المباني الشاهقة المهجورة، وقد غطاها التراب حتى غابت ملامحها وزالت نضارتها. رأيتُ لوحة مطفأة بالكاد معلقة على إحدى المباني، مكتوب عليها كلام بالكاد قرأتُه أيضًا. أعتقد أنه يُقرَأ: "?NewY?rkSqu?r"، بعض الحروف قد سقطت فعلًا. ربما مربع نيويورك؟ ما أغرب أسماء القدامى! نظرتُ إلى شاشة محطمة كبيرة يغطيها الغبار على أحد المباني، وفكرتُ بمقدار الكهرباء التي كانوا يستهلكونها على هكذا أشياء. هززتُ رأسي بهدوء منبهرًا بتطورهم.

لا بد أن هذه المنطقة كانت مركزًا من مراكز الحضارة المتطورة على الأرض نظرًا لطول مبانيها، ومقدار الكهرباء التي يستهلكونها.

وصلتُ إلى المحطة قبل أن أنظر إلى الساعة لأجد أنني وصلتُ في الوقت المناسب لموعدنا. لو كنتُ تأخرتُ عدة دقائق كان "القطار" سيمر بالفعل. جلستُ على مقعد مهترئ بعد أن أبعدتُ عنه الغبار الذي كاد يغطيه بأسره. بإيماءة بيدي على الهواء ظهرت أمامي عدة شاشات، أرسلتُ من إحداها رسالةً إلى العميلة المُرسَلة معي بأنني وصلت قبل الوقت، وأنتظر القطار فقط.

لم تصلها الرسالة.

انبثق أمام عيني إشعار بأرقام حمراء تعبر عن الخسائر التي تكبدناها سابقًا بسبب هذه الحرب الغاشمة، ودخلتُ سجل المهمات لأرى معظمها باللون الأحمر، لم أستطع الاستمرار. قبضتُ يدي اليمنى ألمًا، لن أنجو إذا فشلتُ مجددًا.

أعدتُ النظر إلى المباني التي دمرها الحرب وهجّر أبناءها رغم تطورهم، وقفزت إلى ذهني ذكريات حربنا ومدينتي في المريخ. لاحظتُ قطرة من العرق تنزلق على جبيني رغم برودة الجو، وشعرتُ بنبض قلبي يُجن جُنونه. لا أحتمل فكرة أن تُدمر مدينتي في المريخ. نظرتُ مجددًا إلى المباني وأنا أتخيل مبانينا هناك.

نصف ساعة قد مرت، ولم يصل القطار بعد.

"أجر اتصالًا عاجلًا بإيزيل وأعلمها بوصولي."

قلتُ ذلك بتوتر من خلال تحريك لساني داخل فمي بدون إصدار أي صوت. سمعتُ المساعد الرقمي يرد:

"تعذر الاتصال سيدي، هل تريد مني محاولة تتبع موقعها؟"

- "تأكيد."

-"يتم التعقب... تعذر التعقب! قد يكون جهازها مغلقًا أو معطوبًا. هل تريدني الاتصال بشخص آخر؟"

نهضتُ من مكاني مذعورًا، وقد تفجر الدم في جسمي. نحن في مهمة عاجلة وجهازها لن يُغلق إلا إن حصلت لها مشكلة طارئة. بدأت بالجري نحو سفينتي الطائرة الشخصية وأنا أتمتم داخل فمي بحروف مستعجلة يفهمها المساعد:

"أعلِم الهيئة بتغيير الخطة: سنبحث عن إيزيل. ربما حدث لها مكروه."

-"يتم تجهيز تقرير إلى الهيئة. سيتم إعلامك بالرد عند وصوله. حظًا موفقًا".

سمعت صوت احتكاك عجلات بسكة حديدية وكأنها في سرعة شديدة. لم أسمع صوت قطار من قبل في حياتي، ولكنني استنتجتُ أن هذا هو صوته. تفاءلت دون إبطاء سرعتي بأن تكون إيزيل بداخله، ولكن سرعته الشديدة لا توحي بأنه ينوي التوقف قريبًا.

عندما اقترب مني القطار حتى صار مرئيًا، وصلتني منه طلقات ليزرية ضالة تتجه نحوي. أحدهم يستهدفني! بمعجزة استطعتُ الخلاص من تلك الرصاصات التي حولت الأرضية الرخامية للشارع إلى فحمٍ أسود واخترقت جزءًا منها بلمحة عين. طلبت من المساعد تسجيل ما أراه لأرفع تقريرًا بعد أن قفزت على سيارة قديمة ومنها إلى خلف سور رخامي ما. ربما تكون إيزيل مختطفة داخل القطار، أو حصل لها مكروه ما، مع أنها من أرقى العميلات بلا منازع، أشك بأنها سقطت ضحية لمجموعة من المختطفين من أعدائنا.

كانت الرصاصات الموجهة نحوي تخترق الجدار الرخامي وتكمل طريقها. في هذه الحالة لا يشكل الجدار دفاعًا بل تمويهًا يساعد في إخفائي. بدأت بالجري نحو سفينتي الشخصية حتى وصلتُ إليها وصعدت على متنها لأتنفس الصعداء.

"ما هو رد الهيئة؟!"

-"لم يصل أي إشعار جديد من الهيئة، سأخبرك به فور وصوله".

شعرت بالدم يتفجر في عروقي غضبًا، وضربت على مقدمة السفينة. كيف يتجاهلوننا في حالة كهذه؟!

شعرت بصراع في داخلي: هل يجب أن أتجه نحو القطار وأحارب من هم على متنه؟ لستُ متأكدًا من وجود إيزيل بداخله فقد تكون مخاطرتي بلا فائدة، وفي الوقت نفسه لو كانت موجودة فستكون قد قُتِلت في مواجهتها معهم أو تحولت إلى رهينة وفي هذه الحالة أيضًا ذهابي سيكون هباءً.

قررت الذهاب وحسب. لا يمكنني ترك إيزيل لوحدها والانطلاق بعيدًا، سأشفي غليلي حتى لو تضررت السفينة قليلًا.

قمت بتشغيل السفينة ورفعتُها عن الأرض، وانطلقتُ بسرعة كبيرة نحو القطار المتسارع. شكّلت البنايات الشاهقة للأرضيين السابقين عائقًا أمام طيراني، ولكن مهارتي في الطيران مكنتني من التغلب على ذلك العائق. عندما وصلت، وفي بغتة وهم غير منتبهون أرسلتُ عليهم طلقات قاتلة غير محدودة، ولكن لم يبدُ أنها أصابت أيًا منهم. انهالت علي طلقات كثيرة جدًا من مكانٍ واحد كان تجنبها شبه مستحيل خصوصًا مع البنايات التي تضيق حرية الطيران. ظللتُ أطيرُ وأُطلق عليهم في الوقت نفسه بينما أقترب من سطح القطار، وتتجول في بالي فكرة سقيمة.

رأيتُ فتحات علوية للقطار فراودتني عن نفسي فكرة أن أقفز على القطار وأدخل عليهم لمواجهتهم وجهًا لوجه. بدأت بالتسارع نحو مقدمة القطار لأباغتهم بدخولي. لاحظتُ من مسافة بعيدة وجود منعطف حاد، وبهذه السرعة التي يسير فيها القطار فسيكون الفناء مصير كل من على متنه. على هذا الحال لو كانت إيزيل على متنه فإن الوقت الذي أمامي محدود جدًّا، وقريبًا سينقلب القطار.

-"سيدي! رد الهيئة وصل. هل تريدني أن أقرأه لك؟"

-"ليس وقتهم! لخّص لي المهم بسرعة."

"ملخصه كالتالي: نحن أيضًا فقدنا الاتصال بإيزيل، عليك إلغاء المهمة والعودة إلى المقرّ. لا تتصرف من تلقاء نفسك وإلا سيتم فصلك."

هل تمازحونني؟! نترك إيزيل وننصرف؟ إنهم مجانين!

سأتأكد من إيزيل وأعود، وليحدث ما حدث.

"قم بتشغيل وضع الطيران الآلي: وجه السفينة للطيران فوق القطار بسرعته ولكن من مسافة بعيدة."

قلتُ ذلك وأنا أستعد للقفز. نظرتُ إلى القطار تحتي. سرعته المهولة جعلت قلبي يخفق بقوة، لاحظت وجود فواصل بين كل عربة وأخرى، والسقوط في تلك الفواصل يعني نهاية قصتي أنا وإيزيل. هممت بإطفاء وضع الطيران الآلي والعودة إلى المقر لأحافظ على حياتي ووظيفتي، إذ يبدو القفز من هنا إما خسارة للوظيفة أو للحياة.

أرغمت تلك الأفكار على السكوت بصعوبة، وقفزت من متن الطائرة إلى متن القطار. هبطت قدمي على مقبض حديدي طويل مما جعلني أتعثر، طرتُ إلى الوراء شاعرًا أن نهايتي قد حلت، وحاولت بيأس إمساك أي شيء أستطيع إمساكه، كان الموقف شديدًا ومرعبًا حتى بالرغم من كل ما مررت به، ولكن الخوف من الموت حكمني في تلك اللحظة.

بالصدفة أمسكت بمقبض حديدي طويل أنقذني من السقوط من على سطح القطار. أمسكتُ المقبض بقوة شديدة كأنه حبل نجاة. وكان فعلًا حبل نجاة. لاحظتُ أن الطلقات لا زالت موجهة نحو الطائرة، والطائرة تقوم بالإطلاق بيأس من ارتفاع كبير. اطمأننتُ أن الطائرة ستشكل تشتيتًا مناسبًا بينما أتسلل إليهم.

بدأتُ بالزحف فوق القطار حتى وجدتُ نافذة زجاجية علوية مهترئة ستوصلني إلى داخل القطار. كسرتُها بحركة قوية بسلاحي حتى تحولت إلى قطع صغيرة. وأمسكت سلاحي بيدي بينما أمشي بحذر من عربة إلى أخرى.

بدأت بالتنقل بين العربات وتفحصها واحدة تلو الأخرى ولكن بلا فائدة. لم أجد أيًا من أعدائنا. كان القطار فارغًا مهجورًا مما سبب لي يأسًا وانزعاجًا، بدأت بالجري بين العربات بدلًا من المشي بحذر. كان الوقت ينفد مني بسرعة وأشعر أن القطار سيُقلَب في أي لحظة.

-"الهيئة تنتظرك، سيدي. لقد أرسلوا إشعارًا آخر يحذرك من الانخراط العسكري مع الأعداء. أنصحك بالتراجع، سيدي"

تجاهلتُ النداء حتى اقترب صوت الإطلاق أكثر، بدأت بالتسلل مختبئًا بين المقاعد، ماشيًا بحذر شديد. حتى ظهر أحد الأعداء أمامي من بعيد.

كان يرتدي دروعهم السوداء كغيره، ويطل برأسه من النافذة يشتبك مع طائرتي. ولكنني استغربتُ من أنني وصلتُ إلى منطقة قريبة من مقطورة القيادة ولم أجد إلا هو، أين الآخرون؟ هل يقيدون إيزيل ويحرسونها؟

قمتُ باستدعاء الطائرة لتقترب دون أن أصدر أي صوت. أردت استجواب ذلك المخلوق فاقتربت منه قليلًا بالتسلل، ثم أشهرت سلاحي على ذقنه. قلت:

-"ارمِ سلاحك."

لم تكن اللغة عائقًا، إذ يصله صوتي مترجمًا بشكل مباشر. توقف إطلاق النار لوهلة، وحاول المختطفُ إدخال رأسه من خلال النافذة وهو يمسك سلاحه فشددت على ذقنه، قلتُ بغضب:

-"سأفجر رأسَك! لن تدخل حتى ترمي السلاح!"

بدا لي أنثى من ملامحه. أشرتُ إليها لترميَ سلاحها من النافذة.

فلم تملك إلا أن تفعل ذلك على مضض. ببطء أدخلت رأسها من النافذة وهي عزلاء عن السلاح وترفع يديها، وضعتُ سلاحي أمام جبهتها قائلًا:

-"ستكون إجابتكِ التالية صادقة وإلا خسرتِ رأسك: أين زميلتي؟"

في اللحظة التالية كانت قد مدت قدمها إلى سلاحي بحركة قوية ورشيقة جدًّا أفقدتني السلاح من يدي، وبدأنا نتقاتل أعزلًا لأعزل، وجهَت ركلة قوية إلى رأسي شعرتُ أنها كانت ستفصله عن جسدي لولا أنني تراجعت، لم أملك الفرصة لتوجيه لكمة إلى وجهها لأنني كنتُ منشغلًا بصد لكماتها وركلاتها المتسارعة! كنت أتراجع بينما أصد ضرباتها حتى أسقطتني بركلة موجهة إلى صدري، وبدأت تهرب إلى مقطورة القيادة. أخذتُ سلاحي من الأرض بعد أن نهضت وبدأت باللحاق بها.

عندما وصلتُ إلى مقطورة القيادة كانت تحمل في يدها زجاجة حادة من نافذة القطار وتوجهها نحو رقبة إيزيل المربوطة على كرسي في المقطورة، قالت:

-"أنت من سترمي سلاحك الآن أيها الشيطان! أي حركة غبية ستكلفك حياة زميلتك."

شعرتُ بالرعب وأنا أنظر إلى عيني إيزيل المتسعتين. كيف استطاعت هذه المخلوقة لوحدها إسقاط إيزيل، إحدى أشهر العملاء البشريين في المجرة؟ تحدثت إيزيل:

-"إما أنهم سيقتلونني الآن أو يعذبوني لاحقًا لاستجوابي. الموتُ أهوَن! تصرّف يا أحمق!"

في اللحظة التالية وقبل أن أقرر سمعنا صريرًا مرتفعًا جدًّا واهتز القطار بعنف، صرختُ للمخلوقة ليصل صوتي إليها:

-"إذا قتلتِ زميلتي الآن فسنموت نحن الثلاثة! أمامنا منعطف حاد لن تنجي منه إلا إذا انصرفتِ الآن! انجي بحياتكِ واتركيها!"

اتسعت عيناها رعبًا خصوصًا بازدياد الاهتزاز وبدأت بالتلفت يمنة ويسرة قبل أن تترك الزجاجة وتقفز من النافذة العلوية إلى الخارج. لا أدري ماذا حدث لها بعدها، ولكن، وبتوتر شديد، أمسكتُ بالزجاجة الحادة وبدأت قطع الحبال التي تحيط بإيزيل، بدأت أسمع صوت طائرتي التي اقتربت منا حيث أنني استدعيتُها قبل المواجهة، خرجنا أنا وإيزيل من النافذة بسرعة وتسلقنا السلالم التي وضعتها الطائرة، وخرجنا من ذلك الموقف سليمَين إلا من صدمات نفسية ولحظات مرعبة.

قرأتُ بعد ذلك الرسائل العديدة من الهيئة التي أرسلوها أثناء مواجهتي تهددني بخسارة الوظيفة وبأن الفشل في المهمة كان ذريعًا جدًا. لم يبدُ لي الأمر كذلك، ولم أهتم لأمر الهيئة أصلًا، كنت أضحكُ على إيزيل بسبب أنها هُزمت من مخلوقة غريبة واحدة، وهي تضحك علي أن تلك المخلوقة استطاعت عزلي من السلاح مع أنها بلا سلاح، كانت تلك اللحظات هادئة ومضحكة رغم شدة الموقف. تركنا ذلك الموقف ندرك قوة تلك المخلوقة وبأنها بطاقة رابحة قوية لأعدائنا، وخروجها سليمة من تلك الحادثة تعتبر خسارة لنا، مع أن حفاظنا على حياتنا كان معجزة بحد ذاته.