العين الثالثةبقلم صدى القارئ فصل 2

صمت الأنظمة

5 دقائق قراءة · 839 كلمة

لم يكن الصباح مختلفًا… لكن شيئًا في داخلي كان يصرخ بأن كل شيء تغيّر.

الضوء نفسه، الهواء نفسه، أصوات المدينة كما هي… لكن الإحساس كان أثقل، أبطأ، وأكثر وضوحًا بطريقة مزعجة.

كأن هناك مسافة خفية ظهرت فجأة بين الإنسان ونفسه، مسافة لم تكن تُرى من قبل، لكنها الآن أصبحت واضحة… وثقيلة.

خرجت من المنزل ببطء، لا لأنني متعب… بل لأنني لم أعد مستعدًا لمواجهة ما أراه بوضوح الآن.

لم يعد العالم كما كان… أو ربما أنا من تغيّر.

الشارع لم يتغير شكليًا، لكنه فقد عفويته.

كل شيء يتحرك بإيقاع واحد… دقيق، محسوب، بلا أي تردد، بلا أي خطأ، وكأن الخطأ نفسه لم يعد خيارًا موجودًا.

الإشارات الضوئية، السيارات، المارة…

كلهم يتحركون كما لو أنهم أجزاء داخل منظومة واحدة، متصلة، تعمل بتناغم كامل دون أي انحراف.

وقفت أراقب للحظة، وسؤال واحد تكرر في ذهني بإلحاح:

متى اختفت الفوضى الصغيرة التي كانت تجعلنا بشرًا؟

الكاميرات لم تعد مجرد أدوات مراقبة مثبتة على الجدران.

أصبحت حضورًا دائمًا، صامتًا، لكنه لا يغيب أبدًا… عيونًا لا تنام، ولا تمل، ولا تنسى.

الشاشات أيضًا تغيّرت.

لم تعد تعرض المعلومات فقط… بل تقرأ، تحلل، تربط، وربما تتنبأ بما سنفعل قبل أن نفعله.

شعرت للحظة بأنني مكشوف… ليس جسدي فقط، بل أفكاري أيضًا، وكأن هناك من يراقب ما يدور داخلي قبل أن أقرره.

في أحد التقاطعات المزدحمة، لم يكن هناك أي ارتباك.

بل نظام صارم… دقيق… لا يترك مجالًا للعشوائية.

كل شخص يعرف متى يتحرك، متى يتوقف، متى يعبر.

ردود أفعال جاهزة… تُعطى لنا دون أن نشعر.

الوجوه هادئة.

لكن تلك ليست راحة حقيقية…

بل راحة خالية من الإرادة، راحة تُشبه السكون أكثر مما تُشبه الحياة.

على طرف الطريق، رأيت رجلًا يجلس على الأرض.

لم يكن متسولًا… بل بدا كمن فقد شيئًا داخليًا لا يُرى.

يمسك جهازًا صغيرًا بين يديه، ينظر إليه بلا تركيز، وكأنه ينتظر شيئًا لن يأتي.

اقتربت وسألته بهدوء:

“هل أنت بخير؟”

تنفس ببطء، ثم قال دون أن ينظر إليّ:

“لم يعد يرسل شيئًا…”

سألته: “من؟”

رفع الجهاز قليلًا، وكأنه يريه لي، ثم قال:

“النظام… كان يخبرني ماذا أفعل… أين أذهب… ماذا أختار…”

توقف للحظة، وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن تُقال، ثم أضاف بصوت خافت:

“الآن… لا شيء. أشعر أنني تائه.”

تركته ومشيت.

لكن كلماته لم تتركني… بقيت عالقة في داخلي، تتكرر، وتزداد وضوحًا.

وصلت إلى مركز التوزيع.

المكان الذي لم يعد خيارًا… بل ضرورة لا يمكن تجاوزها.

الطابور كان طويلًا.

والصمت أطول.

شاشة كبيرة في الأعلى تعرض أرقامًا باردة:

“المياه المتبقية: 19%”

“المواد الغذائية: 13%”

لم تكن مجرد أرقام…

بل حدود حياة تُرسم أمام الجميع.

أمامـي، كانت هناك امرأة تحمل طفلها.

لم يكن الطفل يبكي… بل بدا مرهقًا، وكأن التعب أصبح حالة طبيعية لا تستدعي البكاء.

عند دورها، مررت بطاقتها.

انتظرت.

ثوانٍ صامتة.

ثم ظهر الصوت:

“الكمية المحددة أقل من الحد المطلوب.”

لم تعترض.

لم تسأل.

لم تحاول حتى أن تفهم.

أخذت ما سُمح لها به… ومشت.

ذلك الصمت… كان أقسى من أي فوضى.

في الخارج، الطائرات الصغيرة ما زالت تحلق.

بدقة لا تخطئ.

لا تقترب… لكنها لا تغيب أبدًا.

ليست مجرد مراقبة…

بل تذكير دائم بأن كل شيء تحت السيطرة.

مررت بجانب مدرسة.

الأطفال يقفون في صفوف منتظمة، يتحركون وفق تعليمات تظهر على شاشة أمامهم.

لا ضحك عشوائي.

لا حركة بلا هدف.

لا فوضى بريئة.

فقط نظام.

شعرت بضيق مفاجئ.

ليس لأن ما أراه مخيف…

بل لأنه أصبح طبيعيًا.

في أحد الأزقة القديمة، كان المشهد مختلفًا قليلًا.

النظام لم يسيطر بالكامل هنا… لكنه حاضر، كظل ثقيل.

الوجوه متوترة.

الأعين تراقب.

كأنهم يعيشون بين عالمين:

عالم قديم يحاول أن يبقى…

وعالم جديد لا يترك له مساحة.

سمعت رجلًا يقول بصوت منخفض:

“حتى الماء… لم يعد قرارنا.”

تابعت طريقي.

في شارع رئيسي، توقفت سيارة فجأة.

ثم توقفت كل السيارات خلفها.

لا أحد تحرك.

لا أحد قرر.

ثوانٍ مرت ببطء ثقيل.

الحيرة كانت واضحة… ليس لأن المشكلة كبيرة،

بل لأن القرار لم يعد بيد أحد.

ثم عاد كل شيء للعمل فجأة.

النظام تدخل.

انتهى التوقف… لكن شيئًا داخليًا لم ينتهِ.

الشك بدأ.

والشك لا يختفي بسهولة.

جلست على جانب الطريق.

شاب بجانبي كان يحدق في جهازه بصمت.

قال دون أن ينظر إليّ:

“الجهاز يعرف أكثر مني…”

ثم أضاف بعد لحظة:

“لم يعد لي قرار.”

لم يكن يتحدث عن نفسه فقط…

بل عنا جميعًا.

رفعت نظري إلى السماء.

الطائرات ما زالت هناك…

صامتة… دقيقة… لا تتوقف.

في زاوية مظلمة، سمعت بكاءً خافتًا.

اقتربت.

فتاة صغيرة تمسك جهازًا، تنظر إليه بتركيز شديد.

لم تكن تلعب…

كانت تحاول أن تتذكر… كيف تقرر بدونه.

في مكان قريب، جلس رجل مسن على مقعد.

ينظر إلى جهازه وكأنه يحاول فهم شيء أكبر منه.

سألته:

“هل أنت بخير؟”

نظر إليّ طويلًا… ثم قال بهدوء:

“لا… لأننا لم نعد نعرف كيف نقرر.”

توقف قليلًا، ثم أكمل:

“كل شيء يُحدد لنا… حتى أصغر التفاصيل.”

كانت كلماته هادئة…

لكنها ثقيلة بطريقة يصعب تجاهلها.

في تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم أستطع الهروب منه:

لم نعد نعيش حياتنا…

بل النظام يعيش بنا.

كل حركة…

كل قرار…

كل خطوة…

يتم تحليلها… ثم توجيهها.

نحن لم نفقد السيطرة فجأة…

بل سلّمناها… خطوة بعد خطوة… دون أن نشعر.

رفعت نظري مرة أخرى إلى السماء.

كل شيء يعمل بدقة.

كل شيء تحت السيطرة.

إلا شيء واحد فقط…

الإنسان.

وفي نهاية هذا اليوم، لم يعد لدي شك:

ما بدأ كراحة…

تحوّل إلى اعتماد…

ثم إلى استسلام…

والآن…

إلى فقدان كامل للسيطرة.