السعلوة وبنيّة الريف
5 دقائق قراءة · 840 كلمة
لاتجاوبون الصوت إذا نادى من مكان ما بيه أحد… لأن مو كل غايب يرجع، ومو كل واحد تعرفون صوته يكون هو نفسه.
الجزء الثاني ( الطگّات الثلاث)
......
وكل دگّة چانت تنزل على گلبها مثل الحجر.
وضحى واقفة بنص الحوش، لا گدرت تتحرّك، ولا گدرت تحچي. عيونها معلّگة بالباب، وأذنها تنتظر الصوت يرجع.
ومن برّه، انعاد النداء:
— هليلة… افتحي، بردان يا مره.
هليلة حطّت إيدها على حلگها، وطلعت منها شهگة مكتومة.
هذا صوت جاسم.
شلون جاسم يوقف ورا الباب، وهو غايب من سبع سنين؟
وضحى قربت من أمها وهمست:
— يمّه… إذا أبويه صدگ، ليش ما نفتحله؟
هليلة التفتت عليها بسرعة، ومسكت إيدها بقوة.
— اسمعيني زين، وضحى. أبوچ لو يرجع من آخر الدنيا، آني أعرف خطوته قبل لا أعرف صوته. وأبوچ من چان يجي للبيت، چان يدگ الباب مرّتين، مو ثلاث.
وضحى بلعت ريگها.
— يمكن ناسي، يمّه…
— أبوچ ما ينسى.
رجع الصوت من برّه، هالمرة أقرب، وكأن صاحبه حاط أذنه على الباب.
— هليلة، شبيچ؟ نسيتي جاسم؟ سبع سنين وأنا بعيد، وهسه من رجعت تسدّين الباب بوجهي؟
هليلة غمضت عيونها، ودمعة نزلت على خدها.
يا الله، شگد چانت تتمنى تسمع هالحچي يوم من الأيام!
سبع سنين وهي تنام على طرف الفراش، وتخلّي مكانه فارغ. سبع سنين وهي تخبّي دشداشته بصندوق خشب، وتمنع وضحى من تلمس أغراضه حتى لا تنساها.
وهسه، من إجا الصوت اللي انتظرته عمر كامل، لازم تصدّه؟
الصوت رجع:
الصوت رجع:
— هليلة… عبّود وينه؟ كبر لو بعده ذاك الصغير اللي چان يركض وراي؟
وضحى شهگت.
عبّود!
حتى أخوها الصغير يعرفه أبوها، ويعرف شكد چان يتعلّق بيه.
ركضت باتجاه الباب، بس أمها سحبتها.
— لااا، وضحى!
— يمّه، هذا أبويه! شلون عرف عبّود؟ شلون يعرف كلشي؟
هليلة هزّتها من كتفيها، وعيونها صارت بعيون بنتها.
لأن اللي يناديچ مو غريب عن حكايتنا. هذا يعرف أسرار بيتنا، ويعرف أسماءنا، ويعرف شلون يخلّينا نفتح الباب بإيدنا.
سكتت لحظة، وبعدين همست:
— بس ما يعرف كلشي.
وفجأة، انقطع الصوت.
هدوء.
هدوء غريب حتى لهسه، وضحى تتذكره من تكبر.
لا حفيف نخيل، لا نباح كلاب، ولا حتى صوت حشرة.
وبعد لحظات، سمعن شي يتحرّك فوق السطح.
خطوة.
وبعدها خطوة ثانية.
وضحى رفعت راسها للسقف.
— يمّه… شنو هذا؟
هليلة ما ردّت.
وبعدين صوت جرّ خفيف، كأن أحد يسحب رجله على الطين.
وضحى رفعت راسها للسقف.
— يمّه… شنو هذا؟
هليلة ما ردّت.
كانت تطالع باب الغرفة، وكأنها تنتظر أحد يدخل منها.
ومن فوگ، إجا صوت جاسم مرة ثالثة:
— وضحى… يابنيّتي، تعالي فوگ. أبوچ يريد يشوفچ.
هالمرة، هليلة صاحت:
— مو بنتك! ابتعد عنها!
انسمع صوت ضحكة خفيفة.
مو ضحكة رجال.
ولا ضحكة مرّة.
شي غريب، مبحوح، بدايته تشبه بكاء طفل ونهايته تشبه صرير باب قديم.
وبعدين الصوت گال:
— بعدچ تخافين منّي يا هليلة؟
وسكت.
وبعدها، سمعن وقع خطوات تبتعد عن السطح، خطوة ورا خطوة، لحد ما اختفت.
هليلة ركضت وسدّت الشبابيچ، وطفّت
— يمّه، افتحيلي الباب. أكو واحد يكول يريد ياخذني لأبويه.
هليلة مسكت إيد وضحى، وركضت للغرفة المجاورة.
عبّود چان نايم بفراشه، يتنفس بهدوء، والباب مسدود.
بس صوته بعده يجي من برّه البيت:
— يمّه… افتحيلي.
وضحى طالعت أخوها، وبعدين طالعت الباب.
الصوت اللي برّه چان صوت عبّود نفسه.
نفس عمره.
نفس نبرة صوته.
حتى طريقته من يمد كلمة «يمّه».
لكن عبّود الحقيقي نايم جدامهن.
ما نامت هليلة ولا وضحى ذيج الليلة.
ظلّن قاعدين بالغرفة، والمصحف بيد هليلة، ووضحى حاضنة أخوها من الخوف، لحد ما بدا ضو الفجر يتسلل من شقوق الشبابيچ.
من أذّن الفجر، رجعت أصوات الديچة للقرية، وبدت الحياة تدبّ بالزقاق.
هليلة قامت، وغسلت وجهها، ولبست عباءتها.
— وضحى، راح نروح لجدّتچ هسه.
— هسه؟ قبل لا تفطرين؟
صحّت عبّود، وخلّته ببيت جارتهم أم فاضل، وطلعت ويا وضحى باتجاه بيت الجدّة شمسة.
بيت الجدّة چان بآخر القرية، يم نخلة قديمة مالت على الجدار، وبابه من خشب السدر، وعليه حلقة حديد سودة.
من وصلت هليلة، ما دگّت الباب.
بس رفعت صوتها:
— يمّه شمسة… افتحي، آني هليلة
بس مدّت إيدها وطلّعت المفتاح الصغير المربوط بخيط أحمر.
شمسة شافت المفتاح، وتغيّر وجهها.
سحبت نفس طويل، وسكّرت الباب وراهن.
— منين جبتيه؟
— من صندوق جاسم.
— ومنو گالچ تطلعينه؟
هليلة انفجرت بالبچي.
— آني من البداية گلت لج، لا تطلعين هذا المفتاح إلا إذا رجع الصوت.
وضعت المفتاح بحضنها، ومسحت عليه بإبهامها.
وبعدين التفتت لوضحى.
— تعالي يم جدّتچ، يابنيّتي.
وضحى قعدت يمها، والفضول ياكلها.
— جدّتي، شنو هذا المفتاح؟ وشنو علاقة أبويه بالسعلوة؟
شمسة طالعت أمها، وكأنها تستأذنها بعينها.
وضحى قربت أكثر.
— وبعدين؟
— بليلة من الليالي، اختفت زبيدة. لا أحد عرف وين راحت، ولا أحد لگى إلها أثر. وبعد اختفائها، بدت السوالف عن السعلوة. ناس گالوا شافوها بالبراح، وناس گالوا سمعوا أصوات أحبابهم تناديهم من بين النخيل.
الجدّة سكتت، ومدّت إيدها لصندوق صغير يمها.
فتحته، وطلعت منه قطعة قماش قديمة، ملفوفة حول ورقة مصفرّة.
— قبل سبع سنين، أبوچ إجا لعندي بنص الليل. چان وجهه أصفر، وثيابه كلها طين. گاللي إنه شاف امرأة واقفة يم النهر، تناديه بصوت أمه.
— أبوچ گاللي إنه شاف المرأة واقفة قدام باب بيتنا، رغم إنه چان متأكد إنها بقت وراه بالطريق.
هليلة شهگت.
— يمّه، ليش ما حچيتيلي هذا الحچي قبل؟
— لأن جاسم طلب مني ما أخوّفچ، ولأن آني چنت أظن إن السالفة انتهت.
الجدّة رجعت الورقة للصندوق، وطلّعت المفتاح.
— وليش أبويه عنده مفتاحه؟
شمسة نزلت عيونها.
— لأن أبوچ چان آخر واحد دخل ذاك البيت قبل لا يختفي.
ساد الصمت.
وبعدين گالت الجدّة جملة خلت وضحى تحس ببرودة تسري بظهرها:
— وأكو شغلة ثانية ما گلتها لأحد… أبوچ من اختفى، ما خلّى وراه أي أثر. إلا شي واحد.
— شنو هو؟
الجدّة فتحت كفّها.
دگّة…
دگّة.
شمسة رفعت راسها ببطء.
هليلة تراجعت للوراء.
ووضحى التفتت للباب، وهي تحس إن قلبها راح يوقف.
إجا صوت من برّه.
صوت رجل هادئ، متعب، تعرفه وضحى أكثر من أي صوت بالدنيا.
يمّه شمسة… افتحي الباب. آني جاسم.
الجدّة غمضت عيونها.
وبهمس ما سمعته غير وضحى، گالت:
— يا ساتر… رجع يدور على المفتاح.
يتبع
..........
شنو السر اللي ورا الباب؟ شاركوني بالتعليقات وانتظرونا قريباً 🖤
انتظركم بالجزء الثالث حتى نعرف شراح يصير ورا الباب! 🕯️🔥.....