حين شككتُ بنفسي
4 دقائق قراءة · 698 كلمة
كان أمير يملك حلمًا صغيرًا في نظره، وكبيرًا في نظر كل من حوله. لم يكن حلمًا مستحيلًا، لكنه كان يحتاج إلى صبر طويل، ووقت لا يملكه، وثقة لم يكن يملك منها إلا القليل. كان يريد أن يفتح مشروعًا صغيرًا يعتمد فيه على نفسه، بعدما قضى سنوات يعمل عند الآخرين ويعود في نهاية كل شهر وهو يشعر أن حياته تمضي من بين يديه دون أن يترك فيها شيئًا يخصه.
في البداية، لم يخبر أحدًا بحلمه. كان يحتفظ به لنفسه، كأن بعض الأحلام تخاف من الضوء قبل أن تولد. لكنه في إحدى الأمسيات جلس مع مجموعة من معارفه، وتحدث للمرة الأولى عما يفكر فيه. لم ينتظر منهم مالًا ولا مساعدة، كان يريد فقط أن يسمع كلمة تشجعه. لكن الكلمات التي سمعها كانت مختلفة تمامًا.
قال أحدهم وهو يضحك: «أنت؟ ستفتح مشروعًا؟ أنت بالكاد تستطيع أن تدير أمورك.»
وقال آخر: «لا تضيع وقتك. هناك أشخاص حاولوا وفشلوا، وأنت تريد أن تنجح؟»
لم يجبه أمير. ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم عاد إلى بيته وفي رأسه أصواتهم جميعًا. في تلك الليلة، لم يفكر في حلمه كما كان يفعل من قبل، بل بدأ يفكر في نفسه. ربما كانوا على حق. ربما لم يكن قادرًا. ربما كان يحلم بأكبر من حجمه.
مرّت أيام وهو يقترب من اتخاذ القرار الذي كان يخشاه أكثر من الفشل: أن يتراجع.
وفي صباح أحد الأيام، وقف أمام المرآة طويلًا. لم يرَ الرجل الذي كان يريد أن يصبحه، بل رأى شخصًا يبحث عن موافقة الآخرين حتى على أبسط أحلامه. عندها فهم شيئًا لم يفهمه من قبل: لم يكن أكثر ما يخيفه أن يفشل، بل أن يراه الناس يفشلون.
أخرج الورقة التي كتب عليها تفاصيل مشروعه، ووضعها أمامه. لم تكن الأرقام مثالية، وكانت هناك أشياء كثيرة لا يعرفها، لكنه عرف شيئًا واحدًا؛ أنه إذا انتظر حتى يصبح مستعدًا لكل شيء، فلن يبدأ أبدًا.
بدأ بخطوة صغيرة. لم يستدن مبلغًا كبيرًا، ولم يترك عمله فجأة، ولم يخبر الجميع بأنه سيغير حياته. بدأ بما يستطيع، وتعلم ما يجهله، وأخطأ، ثم أصلح أخطاءه. في الشهر الأول لم يربح كما توقع. وفي الشهر الثاني خسر جزءًا من المال الذي وضعه. وفي إحدى الليالي جلس وحده يفكر في كلام أولئك الذين سخروا منه، وشعر أن الفشل الذي خاف منه قد وصل أخيرًا.
لكنه في صباح اليوم التالي عاد.
لم يعد لأن كل شيء أصبح سهلًا، بل لأنه اكتشف أن الفشل ليس دليلًا على أنك غير قادر، كما أن النجاح ليس دليلًا على أنك لن تخطئ مرة أخرى. كان الفرق الحقيقي بينه وبين الأمس أنه لم يعد يهرب من الخطأ.
بعد أشهر، بدأ مشروعه يكبر ببطء. لم يصبح أمير غنيًا، ولم تتحول حياته فجأة إلى حياة مثالية، لكنه أصبح يملك شيئًا أهم من المال؛ أصبح يثق بأنه يستطيع أن يبدأ من جديد كلما تعثر.
وذات يوم، التقى بالرجل الذي كان قد ضحك على حلمه في البداية. تحدثا قليلًا، ثم سأله الرجل: «كيف استطعت أن تنجح؟»
نظر إليه أمير وابتسم، وقال: «لم أنجح لأنني كنت أفضل منك، بل لأنني توقفت عن تصديق كل شخص أخبرني أنني لن أستطيع.»
عاد أمير إلى عمله، لكنه هذه المرة كان يحمل في داخله درسًا لن ينساه. فهم أن آراء الناس قد تكون صادقة أحيانًا، وقد تكون مخطئة أحيانًا أخرى، لكن المشكلة تبدأ عندما تجعل رأي شخص آخر أقوى من صوتك الداخلي. لم يكن عليه أن يثبت للعالم أنه قادر، كان عليه أولًا أن يمنح نفسه فرصة حقيقية للمحاولة.
وفي المساء، أغلق باب مشروعه وعاد إلى بيته. كان متعبًا، لكنه لم يكن ذلك التعب الذي كان يشعر به قديمًا. كان تعبًا يشبه الرضا؛ تعب شخص يعرف لماذا يعمل وإلى أين يريد أن يصل.
وعندما وضع رأسه على وسادته، تذكر الأيام التي كاد فيها أن يتخلى عن حلمه بسبب جملة قالها شخص عابر، وفكر كم من الناس يعيشون بالطريقة نفسها؛ يتركون أحلامهم لا لأنهم عاجزون، بل لأنهم صدقوا من شكك بقدرتهم قبل أن يمنحوا أنفسهم فرصة.
في تلك الليلة، لم يحتفل أمير بنجاحه، ولم يحتج إلى ذلك. كان يكفيه أنه أصبح يعرف قيمته، حتى عندما لا يصفق له أحد.
فبعض المعارك لا تخوضها مع الآخرين، بل تخوضها داخل نفسك. وأحيانًا يكون أول انتصار حقيقي في حياتك هو أن تتوقف عن قول: «ربما لا أستطيع»، وتبدأ بالسؤال: «ماذا لو حاولت؟»
لكن أمير لم يكن يعرف أن الحياة ستضع أمامه قريبًا درسًا آخر، مختلفًا تمامًا عن درس الثقة بالنفس... درسًا سيكتشف فيه أن الإنسان قد ينجح في بناء مستقبله، لكنه يظل عاجزًا عن ترك شيء من ماضيه خلفه.