غلاف رواية لقمة لا تشبه غيرها لقمة لا تشبه غيرهابقلم أثر للتأليف فصل 2

عرض جانبي

5 دقائق قراءة · 973 كلمة

لم ينسَ ياسين مكالمة نادر، رغم أنه حاول طوال بقية يومه أن يتعامل معها كما لو أنها لم تحدث.

كان يستطيع أن يقنع نفسه بأن الرجل لم يقل شيئًا صريحًا، وأنه ربما قصد خصمًا خاصًا للشركة أو تسهيلًا في إجراءات التعامل. لكن شيئًا في نبرة صوته جعله يدرك أن الأمر لا يتعلق بالعمل وحده.

في نهاية الدوام، أغلق الملفات ورتب مكتبه، ثم خرج مع سامر الذي كان ينتظره قرب المصعد.

قال سامر وهو يتفقد هاتفه:

— هل انتهيت من عروض الموردين؟

— تقريبًا. بقيت بعض التفاصيل.

— وماذا عن مؤسسة نادر؟

التفت إليه ياسين.

— ما بها؟

— سمعت أنهم يحاولون الحصول على الصفقة الجديدة.

— مثل بقية الموردين.

ابتسم سامر.

— بالطبع. لكن نادر يعرف كيف يتعامل مع الناس.

لم يعلق ياسين، فتابع سامر:

— بالمناسبة، هل اتصل بك؟

توقف ياسين لحظة قبل أن يجيب:

— نعم، استفسر عن موعد اعتماد الطلبات.

— وهل تحدث معك في شيء آخر؟

نظر إليه ياسين باستغراب.

— لماذا تسأل؟

ضحك سامر.

— لا شيء. أعرف أسلوبه فقط.

سارا بضع خطوات في صمت، ثم قال ياسين:

— أظن أنه كان يلمح إلى شيء غير رسمي.

لم يبدُ على سامر أي اندهاش.

— وماذا توقعت؟

— لا أعرف. لم أفهم قصده تمامًا.

— بل فهمت، لكنك لا تريد أن تقول ذلك.

توقف ياسين عن السير.

— هل تعرف شيئًا؟

خفض سامر صوته قليلًا:

— اسمع يا ياسين، لا تعقّد الأمر. هناك من يعرف كيف يقدّر الشخص الذي يتعاون معه.

— وماذا يعني تسهيل التعامل؟

— أن تتعامل معهم بمرونة، ما دامت عروضهم مناسبة. لا أحد يطلب منك أن تختار عرضًا لا يصلح للشركة.

قال ياسين بجدية:

— لكن الاختيار يجب أن يكون بناءً على مصلحة الشركة، لا على ما سأحصل عليه أنا.

ابتسم سامر ابتسامة قصيرة.

— كلام جميل. لكنك تعرف أن الحياة لا تسير دائمًا بهذه المثالية.

ثم أضاف وهو يفتح باب سيارته:

— فكر في الأمر فقط. أنت تعمل منذ سنوات، وتبذل جهدًا كبيرًا، ولا تحصل إلا على راتبك المعتاد. بينما هناك من يعرف كيف يستفيد من علاقاته.

لم يجد ياسين ردًا مناسبًا.

غادر سامر، وبقي ياسين واقفًا لحظات قبل أن يتجه إلى موقف السيارات. كانت كلمات زميله تزعجه، لا لأنها جديدة، بل لأنها لامست فكرة حاول إبعادها عن ذهنه منذ الصباح.

في طريق العودة، توقف ياسين عند متجر قريب من منزله لشراء بعض الاحتياجات. وبينما كان ينتظر حساب مشترياته، لمح رجلًا يعرفه يقف عند الباب.

كان حازم، زميلًا قديمًا عمل معه في شركة سابقة، ثم انتقل إلى مؤسسة أخرى.

تبادلا التحية، وسأله حازم عن أحواله وعمله.

قال ياسين:

— الحمد لله، الأمور مستقرة.

— ما زلت في الشركة نفسها؟

— نعم.

— جيد. سمعت أنك أصبحت من المسؤولين عن المشتريات هناك.

— مسؤول عن بعض الملفات فقط.

ابتسم حازم.

— أنت دائمًا تقلل من شأن نفسك.

ثم تحدثا قليلًا عن العمل، قبل أن يذكر حازم أنه اشترى شقة جديدة.

هنأه ياسين وسأله عن طريقة حصوله عليها.

قال حازم:

— ادخرت سنوات، ثم حصلت على تمويل مناسب. لم يكن الأمر سهلًا، لكن الحمد لله.

كان حديث حازم عاديًا، لكنه ترك في نفس ياسين أثرًا لم يتوقعه. لم يكن الأمر ثروة ولا مكسبًا استثنائيًا؛ مجرد سنوات من الادخار وخطوة استطاع أن يحققها أخيرًا.

ودعه بعد دقائق، ثم عاد إلى سيارته.

في الطريق، فكر في أن بعض الناس استطاعوا بناء حياتهم، بينما ظل هو يؤجل أحلامه عامًا بعد عام. لم يكن يريد أن يصبح ثريًا، كما كان يقول لنفسه، لكنه لم يعد يعرف أين تنتهي حاجته وأين تبدأ رغبته في المزيد.

في صباح اليوم التالي، وصل ياسين إلى الشركة قبل موعده بقليل.

فتح بريده الإلكتروني، فوجد رسالة من نادر تتضمن تفاصيل العرض التجاري الذي قدمته مؤسسته، إلى جانب ملاحظة قصيرة في نهايتها:

«أستاذ ياسين، أرجو أن تتاح لنا فرصة للحديث بشكل مباشر. لدي ما أعتقد أنه سيكون مناسبًا للطرفين».

قرأ الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها.

لم يكن فيها ما يمكن الاعتراض عليه رسميًا، لكن الملاحظة الأخيرة كانت واضحة بما يكفي.

بعد نحو ساعة، اتصل نادر مجددًا.

— صباح الخير أستاذ ياسين.

— صباح النور.

— هل اطلعت على العرض؟

— نعم، وصلني.

— ما رأيك فيه؟

— سنراجعه مع بقية العروض، والقرار سيكون وفق المعايير المعتمدة.

ضحك نادر بهدوء.

— أعلم ذلك، وأعرف أنك رجل تفهم عملك جيدًا. ولهذا تحديدًا أردت أن أتحدث معك في أمر آخر، بعيدًا عن الإجراءات الرسمية.

توقف ياسين عن الكتابة.

— تفضل.

صمت نادر لحظة، ثم قال بنبرة ودودة:

— أعتقد أننا نستطيع أن نجد طريقة يستفيد منها الجميع.

فهم ياسين ما يلمح إليه نادر، لكنه آثر أن يطلب منه التوضيح.

قال:

— ماذا تقصد؟

أجابه نادر:

— لا شيء يستدعي الاستغراب. مجرد تقدير خاص لتعاونك، إذا سارت الأمور كما نأمل.

ساد الصمت بينهما.

نظر ياسين إلى شاشة الحاسوب، حيث كانت عروض الموردين مفتوحة أمامه، ثم أعاد الهاتف إلى أذنه.

— أعتقد أن علينا أن نبقي الأمور في إطار العمل الرسمي.

— بالطبع، بالطبع. لم أقصد غير ذلك. فكر في الأمر فقط، وسنتحدث لاحقًا.

انتهت المكالمة.

بقي ياسين أمام مكتبه، لا يكتب ولا يقرأ. كان العرض هذه المرة واضحًا؛ لم يعد مجرد تلميح يمكن تفسيره بأكثر من طريقة.

فتح ملف الموردين، وقارن الأسعار والمواصفات. كان عرض نادر مناسبًا، لكنه لم يكن الأفضل. وكان بإمكانه أن يختاره إن أراد، دون أن يثير ذلك استغرابًا كبيرًا، خاصة أن الفروق بين العروض لم تكن ضخمة.

لكن ما كان يعرضه نادر لم يكن متعلقًا بالسعر وحده.

كان ياسين يعرف أن قبول المال سيجعله مدينًا للمورد، وأن قراره لن يعود ملكًا له وحده. فحتى لو بدا الاختيار مقبولًا على الورق، فإن السبب الذي يقف خلفه سيظل حاضرًا في كل خطوة.

رن هاتفه.

كانت رسالة من سامر:

«هل تحدثت مع نادر مرة أخرى؟»

كتب ياسين:

«نعم».

جاء الرد سريعًا:

«إذن لا تضيع الفرصة».

ظل ينظر إلى الرسالة، ثم وضع الهاتف مقلوبًا على المكتب.

في المساء، عاد إلى المنزل وهو يحمل بعض المشتريات الصغيرة.

وجد مريم في المطبخ، فاقترب منها وسألها إن كانت تحتاج إلى شيء.

قالت:

— لا، شكرًا. هل حدث شيء في العمل؟

— لماذا تسألين؟

— تبدو منشغلًا.

ابتسم ابتسامة متعبة.

— مجرد عروض ومفاوضات.

قالت وهي تواصل إعداد الطعام:

— أتمنى أن ييسر الله لك عملك ويرزقك من حيث لا تحتسب.

جلس إلى الطاولة، وأخذ يتأمل يديه.

كان يستطيع أن يخبرها بما حدث، لكنه لم يفعل. لم يكن قد قبل العرض، ولم يرَ سببًا للحديث عنه.

في تلك الليلة، وبعد أن نامت الأسرة، فتح هاتفه مرة أخرى.

كان هناك إشعار جديد من نادر:

«أستاذ ياسين، أريد أن أؤكد لك أن ما تحدثنا عنه جاد. يمكننا ترتيب الأمر بسهولة، وأثق أنك ستقدر هذه المبادرة».

قرأ الرسالة، ثم أغلق الشاشة.

لم يرد.

لكنه لم يحذفها أيضًا.

وضع الهاتف على الطاولة، وأطفأ الضوء.

كان يظن أن أصعب ما في الأمر هو أن يقرر قبول المال أو رفضه.

ولم يكن قد أدرك بعد أن الأصعب هو أن يختار بين ما يعرف أنه صواب، وما بدأ يتمنى أن يكون مباحًا.