عَتَمَةُ البِدَايَاتِ
دقيقتان قراءة · 209 كلمة
كَانَ "زِيَادٌ" يَقِفُ أَمَامَ نَافِذَتِهِ المُطِلَّةِ عَلَى مَدِينَةٍ لَا تَنَامُ، لَكِنَّهُ كَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّ رُوحَهُ غَارِقَةٌ فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ. كَانَتِ الأَيَّامُ تَمُرُّ كَنُسَخٍ بَاهِتَةٍ، لَا جَدِيدَ فِيهَا سِوَى صَدَى طُمُوحَاتِهِ القَدِيمَةِ الَّتِي غَطَّاهَا الغُبَارُ. النَّجَاحُ الَّذِي كَانَ يَحْلُمُ بِهِ بَاتَ سَرَاباً، وَالوَقْتُ يَتَسَرَّبُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَالدَّقِيقِ.
"لِمَاذَا أَشْعُرُ بِهَذَا العَجْزِ؟" هَمَسَ لِنَفْسِهِ بِنَبْرَةٍ مِلْؤُهَا الأَسَى، مُتَأَمِّلاً انْعِكَاسَ وَجْهِهِ المُتْعَبِ عَلَى الزُّجَاجِ. نَظَرَ إِلَى مَكْتَبِهِ المُبَعْثَرِ، حَيْثُ تَرَاكَمَتِ الكُتُبُ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْهَا، وَالمَشَارِيعُ الَّتِي لَمْ يَبْدَأْ فِيهَا بَعْدُ. كَانَ يَعْلَمُ، فِي أَعْمَاقِهِ، أَنَّ التَّغْيِيرَ لَا يَأْتِي بِالأَمَانِي، بَلْ بِالفِعْلِ، وَلَكِنَّ الخَوْفَ مِنَ الفَشَلِ—أَوْ رُبَّمَا الخَوْفَ مِنَ المَجْهُولِ—كَانَ كَسِلْسِلَةٍ ثَقِيلَةٍ تُقَيِّدُ قَدَمَيْهِ، وَتَمْنَعُهُ حَتَّى مِنْ مُحَاوَلَةِ النُّهُوضِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الدَّقِيقَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ اليَأْسُ يُحْكِمُ قَبْضَتَهُ، قَرَّرَ أَنْ يَفْتَحَ دَفْتَرَ مَذَكِّرَاتِهِ القَدِيمِ، المَهْجُورِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. تَبَعْثَرَتِ الأَوْرَاقُ حَتَّى وَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى جُمْلَةٍ كَتَبَهَا بِخَطِّ يَدِهِ قَبْلَ عَقْدٍ مِنَ الزَّمَانِ: "مَنْ لَا يَتَقَدَّمُ، يَتَقَادَمُ". كَانَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ البَسِيطَةُ بِمَثَابَةِ صَفْعَةٍ أَيْقَظَتْهُ مِنْ غَفْلَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، وَأَعَادَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ الشَّرَارَةَ المَفْقُودَةَ. أَدْرَكَ زِيَادٌ أَنَّ أُولَى خَطَوَاتِ النَّجَاحِ هِيَ الِاعْتِرَافُ بِالضَّعْفِ، وَأَنَّ الذَّاتَ لَيْسَتْ شَيْئاً نَجِدُهُ جَاهِزاً، بَلْ هِيَ شَيْءٌ نَبْنِيهِ بِأَيْدِينَا، يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ، بِمِطْرَقَةِ الإِرَادَةِ وَسِنْدَانِ الصَّبْرِ. فَتَحَ قَلَماً جَدِيداً، وَكَتَبَ بِخَطٍ عَرِيضٍ تَحْتَ الجُمْلَةِ القَدِيمَةِ: "اليَوْمَ، يَبْدَأُ الصُّعُودُ". كَانَ هَذَا هُوَ "اليَوْمَ الصِّفْرَ"، نُقْطَةَ الِانْطِلَاقِ الَّتِي رَسَمَهَا لِنَفْسِهِ لِيَكُونَ نُسْخَةً أَفْضَلَ.