المقدمه
4 دقائق قراءة · 772 كلمة
لم نخلق لينسير مع التيار (1).
هذا الكتاب لا يعدك بالنجاح.
ولا يعدك بالثراء.
ولا يعدك بحياة خالية من الألم.
بل قد يفعل العكس تمامًا.
قد يجبرك على مواجهة أسئلة ظللت تؤجلها سنوات، ويكشف لك أشياءً كنت تفضل ألا تراها.
لكن قبل أن تقلب هذه الصفحة، أجب نفسك بصدق.
هل سبق أن عرفت ما يجب عليك فعله... ثم لم تفعله؟
هل عرفت الطريق... لكنك عجزت عن السير فيه؟
هل وعدت نفسك بالتغيير مرارًا، ثم وجدت أنك عدت إلى النقطة نفسها، وكأن شيئًا لم يتغير؟
يظن معظم الناس أن مشكلتهم في نقص المعرفة.
لذلك ينتقلون من كتاب إلى آخر، ومن دورة إلى أخرى، ومن نصيحة إلى غيرها، بحثًا عن فكرة جديدة تغيّر حياتهم.
لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في الطريق؟
ماذا لو كانت في الشخص الذي يسير فيه؟
نحن اليوم نعيش في زمن يخبرك فيه الجميع ماذا تفعل، لكن قليلين فقط يسألونك:
من أنت؟
كيف ترى نفسك عندما تكون وحدك؟
ما الفكرة التي تكررها في داخلك كل يوم؟
ما الجرح الذي ما زال يوجّه قراراتك، رغم أنك تظن أنك تجاوزته؟
هذه الأسئلة هي التي صنعت هذا الكتاب.
لأنني أدركت مع الوقت أن الإنسان يقضي سنوات يحاول إصلاح حياته، قبل أن يحاول فهم نفسه.
يهتم بما يحدث حوله، وينسى ما يحدث داخله.
يبني عالمه الخارجي، بينما يترك عالمه الداخلي يتآكل بصمت.
ولهذا ترى كثيرين يعرفون الطريق، لكنهم لا يستطيعون السير فيه.
ليس لأنهم يفتقرون إلى الذكاء.
ولا لأنهم كسالى.
بل لأن هناك شيئًا أعمق يقيّدهم.
أفكارًا لم تُفهم.
ومشاعر لم تُواجه.
وعاداتٍ تشكلت بصمت، حتى أصبحت جزءًا من شخصياتهم.
ومن هنا بدأ هذا الكتاب.
ليس بحثًا عن وصفة للنجاح، بل بحثًا عن سؤال واحد:
كيف يرى الإنسان نفسه؟
لا كما يراه الناس.
ولا كما يتمنى أن يراه الناس.
بل كما يراها هو، عندما يختفي الضجيج، وتسقط الأقنعة، ولا يبقى أمامه سوى نفسه.
لن أقدم لك أجوبة جاهزة.
لأن الأجوبة المستعارة قد تُرضي فضولك مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تغيّر حياتك.
أما السؤال الصادق، فقد يبقى معك سنوات... حتى يغيّرك.
لهذا لن أعطيك سمكة.
بل سأضع في يدك صنارة.
ثم أدعوك إلى الوقوف على شاطئ التأمل.
أما البحر...
فعليك أن تكتشفه بنفسك.
قد توافقني في بعض ما ستقرأ.
وقد تختلف معي في بعضه.
وهذا أمر أرحب به.
لأن هدفي ليس أن ترى العالم بعيني، بل أن تبدأ أخيرًا برؤيته بعينيك أنت.
فالإنسان لا يضيع دائمًا لأنه يجهل الطريق.
أحيانًا يضيع لأنه يجهل نفسه.
وحين يعرف الإنسان نفسه بصدق، يصبح أقدر على اختيار طريقه.
ولهذا...
لم نُخلق لنسير مع التيار.
بل خُلقنا لنفهم أنفسنا أولًا...
ثم نختار طريقنا بوعينا، لا بوعي الآخرين.
............................................................................
لماذا هذا الكتاب؟. (2).
سأكون صادقًا معك.
حين بدأت التفكير في هذا الكتاب، لم يكن هدفي أن أصبح كاتبًا، ولم يكن حلمي أن أرى اسمي مطبوعًا على غلاف يملأ رفوف المكتبات.
كنت أبحث عن شيء أبسط... وأصعب في الوقت نفسه.
كنت أبحث عن إجابة.
إجابة لسؤال ظل يرافقني سنوات طويلة:
لماذا يعيش بعض الناس حياتهم وكأنهم يقودونها، بينما يعيش آخرون وكأن الحياة هي التي تقودهم؟
لماذا يسقط شخص عشر مرات، ثم ينهض في الحادية عشرة وكأن شيئًا لم يحدث؟
بينما يسقط آخر مرة واحدة... فلا يقف بعدها أبدًا؟
لماذا يملك إنسان كل أسباب السعادة، لكنه لا يشعر بها؟
بينما يعيش آخر بالقليل... وينام مطمئنًا؟
كلما تقدمت في العمر، لم تقل أسئلتي...
بل ازدادت.
أصبحت أراقب الناس أكثر مما أتكلم.
أراقب الناجحين.
وأراقب الفاشلين.
أراقب الشجعان والخائفين.
وأراقب أولئك الذين يبتسمون أمام الجميع، بينما يخوضون في داخلهم معارك لا يراها أحد.
وفي كل مرة كنت أظن أنني اقتربت من الجواب، كنت أكتشف أن الحقيقة أعمق مما تخيلت.
لاحظت أن معظم الناس يحاولون تغيير حياتهم من الخارج.
يريدون مالًا أكثر.
علاقات أفضل.
مكانة أعلى....
لكن قليلين جدًا يتوقفون ليسألوا:
ماذا يحدث داخلي؟
وكأن الإنسان يقضي عمره في تنظيف المرآة...
بينما المشكلة في الصورة التي يقف أمامها.
وهنا بدأت أرى شيئًا لم أكن ألاحظه من قبل.
داخل كل إنسان عالم كامل.
عالم لا يراه أحد.
عالم من مخاوف.
ورغبات.
وأحلام مؤجلة.
وجروح قديمة.
وكلمات سمعها قبل سنوات، لكنها ما زالت تعيش في داخله حتى اليوم.
ومن هنا اتخذ هذا الكتاب اتجاهه.
لم أرد أن يكون كتاب نصائح.
لأن النصائح وحدها لا تغيّر البشر.
ولو كانت النصائح تكفي، لما بقي أحد يعاني.
ولم أرد أن أقول لك:
افعل كذا...
واترك كذا...
فتنجح.
فالإنسان أعقد من أن يُختصر في قائمة تعليمات.
لهذا لا أريد أن أعطيك أجوبة.
أريد أن أقدم لك أسئلة.
أسئلة قد لا تمنحك الراحة فورًا...
لكنها قد تمنحك شيئًا أهم.
الوضوح.
لأن الإنسان لا يتغير عندما يسمع فكرة جديدة.
بل عندما يرى نفسه بطريقة جديدة.
لهذا لا تنظر إلى هذا الكتاب على أنه خريطة ترشدك إلى الطريق.
بل انظر إليه كمصباح.
لن يمشي عنك.
ولن يختصر عليك المسافة.
لكنه قد ينير لك جزءًا من الطريق لم تكن تراه.
ومع مرور الوقت، أدركت أن أكبر مشكلة لا يواجهها الإنسان هي الجهل.
بل الغفلة.
أن يعيش سنوات طويلة، وهو يعرف كل شيء عن العالم...
ولا يعرف شيئًا عن نفسه.
أن يركض خلف أهداف كثيرة...
قبل أن يسأل:
من الذي يركض أصلًا؟
لهذا ستجد أن هذا الكتاب لا يتحدث عن النجاح وحده.
بل عن الإنسان الذي يسعى إليه.
ولا يتحدث عن الحب وحده.
بل عن الإنسان الذي يحب.
ولا يتحدث عن الألم وحده.
بل عن الإنسان الذي يتألم.
ستجد فيه حديثًا عن العادات.
والأفكار.
والمشاعر.
والخيال.
والكلمات.
والعلاقات.
والخوف.
والسعادة.
لكن كل هذه الموضوعات ليست إلا طرقًا مختلفة تقود إلى المكان نفسه.
إلى ذلك الإنسان الذي عاش معك منذ ولادتك...
وربما لم تتعرف إليه حقًا حتى هذه اللحظة.
فإذا استطاع هذا الكتاب أن يجعلك تتوقف للحظة...
لحظة تنظر فيها إلى نفسك بصدق...
لحظة ترى شيئًا لم تكن تراه من قبل...
فقد أدى رسالته.
لأن أعظم التحولات لا تبدأ بخطوة.
بل تبدأ برؤية.
رؤية صادقة.
رؤية تجعل الإنسان يقول:
الآن فهمت...
والآن تبدأ الرحلة.