الرقصة الأولى
4 min de lecture · 721 mots
منتصف الليل
كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة عندما أدرك أن هناك شخصًا آخر في المنزل.
في البداية ظنّ أن الصوت جاء من الطابق العلوي.
خطوة واحدة.
ثم صمت.
رفع الرجل رأسه عن الأوراق المبعثرة فوق مكتبه، وبقي يستمع.
لا شيء.
عاد إلى ملفه، محاولًا تجاهل القلق الذي تسلل إلى صدره.
لم يكن يخاف من اللصوص.
كان يخاف مما يعرفه دون غيره.. ثمن المعرفة
أُطفئت أنوار المنزل فجأة.
تجمد في مكانه.
ثم سمع موسيقى.
نغمة هادئة، قديمة، تتردد في الظلام.
نهض ببطء، ومد يده نحو الهاتف.
قبل أن تلمس أصابعه الشاشة، انعكس في زجاج النافذة ظل امرأة تقف خلفه.
استدار.
لم يرَ وجهها.
فقط فستانًا أسود، وقناعًا يخفي ملامحها.
تراجع خطوة.
قالت بصوت هادئ:
«هل تتذكر تلك الليلة؟»
شحب وجهه.
لم يجب.
اقتربت منه ببطء.
«كنت أظن أنك نسيتها.»
- من أنتِ؟
لم تجبه.
فقط رفعت يدها، وأشارت إلى الساعة المعلقة على الجدار.
كانت عقاربها قد التقت عند منتصف الليل.
وبعد لحظات، انطفأت الموسيقى.
وساد المنزل صمت ثقيل.
...
في السادسة وثلاث عشرة دقيقة صباحًا، وصلت الشرطة.
كان باب المنزل مفتوحًا.
وفي غرفة المكتب، وُجد الرجل ميتًا.
لم يكن هناك أثر واضح لاقتحام.
لا سلاح.
لا شاهد.
ولا أحد يعرف كيف دخل القاتل... أو كيف خرج..
وعلى الطاولة، بجانب يد الضحية، وُجد قناع أسودبجانبه حذاء باليه مهترئ لقدم صغيرة.
وتحتها ورقة واحدة.
«بعض الحسابات لا يسقطها الزمن.»
بعد دقائق قليلة، امتلأ المنزل بأصوات لم يعرفها منذ سنوات.
أحذية تتحرك فوق الأرضية الخشبية، أجهزة لاسلكية تتبادل التعليمات، وأبواب تُفتح وتُغلق دون توقف.
وقف أحد رجال الشرطة عند المدخل، ومنع أي شخص من الاقتراب.
- لا أحد يدخل أو يخرج قبل انتهاء التفتيش.
انتشر أفراد الشرطة في أرجاء المنزل.
اثنان إلى الطابق العلوي.
آخران تولّيا تفقد المطبخ وغرفة المعيشة، بينما بقي ضابط عند المدخل يسجل أسماء كل من يدخل إلى مسرح الجريمة.
كان المنزل مرتبًا على نحو غريب.
لا أثاث مقلوب.
لا زجاج محطم.
لا علامات تدل على شجار.
حتى الكرسي خلف مكتب الضحية كان في مكانه تقريبًا.
قال أحد الضباط وهو يفتح درجًا:
- لا شيء.
أجابه زميله من الجهة الأخرى:
- افحص الأدراج السفلية أيضًا.
فتح الدرج الثاني.
ملفات قديمة، إيصالات، بعض الأوراق الشخصية...
ثم توقف.
- هنا شيء.
اقترب منه الضابط الآخر.
كانت هناك صورة قديمة موضوعة أسفل مجموعة من الملفات.
رجل أصغر سنًا يقف إلى جانب ثلاثة رجال آخرين أمام مبنى الشرطة.
أخذ الضابط الصورة بحذر ووضعها داخل كيس الأدلة.
- ضعها مع البقية.
في تلك اللحظة، دوّى صوت سيارة توقفت أمام المنزل.
وصل فريق الطب الشرعي.
دخل أفراد الطب الشرعي تباعًا، يحملون حقائبهم ومعداتهم، وتغيّر جو المكان فورًا.
لم يعد المنزل مجرد مسرح لجريمة.
أصبح دليلًا.
كل شيء فيه قابل للفحص.
كل ذرة غبار، كل بصمة، كل خيط، وكل شيء تركه شخص ما خلفه دون أن يدرك.
اقترب الطبيب الشرعي من الجثة، بينما بدأ مساعدوه بتصوير الغرفة من زوايا مختلفة.
- لا تلمسوا شيئًا، قال أحدهم.
التقطت الكاميرا صورة للساعة.
ثم صورة للمكتب.
ثم للقناع.
ثم لحذاء الباليه الصغير.
توقفت العدسة عليه لثوانٍ أطول.
- غريب...
- ماذا؟
- لا شيء. فقط... احتفظوا به منفصلًا عن القناع.
خارج المنزل، كانت الشرطة قد بدأت تواجه مشكلة أخرى.
تجمهر الناس.
الجيران خرجوا إلى الشرفات، وبعضهم وقف خلف الحاجز الذي أقامته الشرطة، بينما أخذ آخرون يتهامسون فيما بينهم.
- من مات؟
- يقولون إنه ضابط سابق.
- هل قُتل؟
- بالطبع قُتل، وإلا لماذا كل هذه الشرطة؟
ظهرت الهواتف في الأيدي.
بعضهم كان يصور المنزل.
والبعض الآخر بدأ بالفعل بنشر الأخبار قبل أن تعرف الشرطة نفسها ما حدث.
وصلت سيارة أخرى بعد دقائق.
توقفت على مسافة قصيرة من الحاجز.
نزلت منها امرأة تحمل ملفًا أسود.
لم تتعجل.
أغلقت باب السيارة، ونظرت أولًا إلى المنزل، ثم إلى الحشد.
كانت ليان.
رفعت بطاقة الشرطة للحارس عند المدخل.
- المحققة ليان.
أفسح لها الطريق.
دخلت.
كانت أول ملاحظة سجلتها في ذهنها أن المكان هادئ أكثر مما ينبغي.
ليس هدوء منزل قُتل فيه أحد.
بل هدوء مكان حاول شخص ما أن يتركه كما وجده.
توقفت عند عتبة غرفة المكتب.
لم تنظر إلى الجثة أولًا.
نظرت إلى الباب.
ثم إلى النافذة.
ثم إلى الأرض.
وأخيرًا إلى الطاولة.
القناع.
حذاء الباليه.
والورقة.
اقتربت خطوة.
لم تلمس شيئًا.
قرأَت العبارة بصمت.
«بعض الحسابات لا يسقطها الزمن.»
رفعت عينيها إلى الضحية.
ثم عادت إلى الورقة.
قال أحد الضباط:
- يبدو أنها رسالة من القاتل.
أجابته دون أن ترفع عينيها:
- ربما.
- ماذا تقصدين؟
نظرت إلى الغرفة مرة أخرى.
- أقصد أننا لا نعرف بعد إن كانت الرسالة موجهة إلينا... أم إليه.
ساد الصمت للحظة.
تقدمت ليان نحو المكتب، ووقفت أمام الكرسي الذي جلس فيه الرجل للمرة الأخيرة.
كان كل شيء مرتبًا.
مرتبًا بصورة مثالية تقريبًا.
وهذا تحديدًا ما أزعجها.
القاتل الذي يترك خلفه فوضى يمكن تتبعه.
أما الذي يترك وراءه نظامًا...
فهو أخطر.
رفعت ليان نظرها نحو النافذة.
مغلقة.
ثم نحو الباب.
لا كسر.
لا آثار واضحة للعنف.
وعلى الرغم من ذلك، كان رجل ميتًا يجلس في هذه الغرفة قبل ساعات.
قال الطبيب الشرعي من خلفها:
- المحققة؟
استدارت.
- نعم؟
- لدينا وقت مبدئي للوفاة.
نظرت إليه.
- متى؟
ألقى نظرة على ساعته ثم قال:
- بين الحادية عشرة وخمس و خمسين دقيقة و ما بعد منتصف الليل بعشر دقائق تقريبًا.
ثبتت عينا ليان على الساعة المعلقة على الجدار.
منتصف الليل.
لم تقل شيئًا.
لكنها سجلت المعلومة في ذهنها.
القاتل لم يختَر وقت الجريمة عشوائيًا.
ثم نظرت مرة أخرى إلى القناع الأسود.
لأول مرة، شعرت بأن هذا الشيء لم يكن مجرد دليل.
كان إعلانًا.
وكأن القاتل لم يرد أن يخفي وجوده.
بل أراد أن يعرف الجميع...
أنه سيعود.