الفصل الأول: الوجه الذي ترتديه
3 min de lecture · 523 mots
لم يكن منير يخاف الظلام، بل كان يخاف اللحظة التي ينظر فيها إلى المرآة، ولا يجد سببًا واحدًا ليحبّ الرجل الذي يراه.
كان في نظر الناس رجلًا هادئًا، لا يرفع صوته، ولا يؤذي أحدًا، ويعرف كيف يبتسم حتى في أصعب الظروف. لكن أحدًا لم يكن يعرف ما الذي يحدث خلف ذلك الهدوء، ولا كم مرة اضطرّ إلى إقناع نفسه بأنه بخير، حتى كادت كلمة «بخير» تصبح اسمه الحقيقي.
في إحدى الليالي، عاد منير إلى منزله متأخرًا. خلع معطفه، وغسل وجهه، ثم وقف أمام المرآة كعادته.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
لم يشعر هذه المرة بأنه ينظر إلى وجهه؛ شعر بأن وجهه ينظر إليه.
اقترب خطوة.
كان انعكاسه ثابتًا، وعيناه تحدّقان فيه بطريقة لم يألفها. رفع يده ببطء، فرفعها الانعكاس مثله. ابتسم ابتسامة صغيرة، فابتسم الانعكاس أيضًا.
همس ساخرًا:
«حتى أنتَ تتقن التمثيل».
ثم أدار ظهره وغادر.
في الليلة التالية، عاد إلى المرآة. لم يكن يؤمن بالخرافات، لكنه لم يستطع نسيان الشعور الذي انتابه. وقف أمامها طويلًا، ثم سأل نفسه سؤالًا لم يجرؤ على طرحه من قبل:
مَن أكون حين لا يراني أحد؟
تذكّر المرات التي سامح فيها أشخاصًا لم يعتذروا، فقط كي لا يبدو حاقدًا. وتذكّر كيف ضحك في وجه مَن أهان كرامته، كي لا يخسر مصلحةً أو علاقة. وتذكّر كل مرة قال فيها «لا بأس»، بينما كان شيء داخله ينهار.
وفجأة، فهم أمرًا مؤلمًا.
لم يكن يكذب على الناس وحدهم؛ كان يقدّم لهم نسخةً منه، ثم يعود إلى منزله ليقنع نفسه بأن تلك النسخة هي حقيقته.
في الصباح، زاره صديقه القديم مازن. جلسا يتحدثان، ثم قال مازن ضاحكًا:
«أنت أكثر إنسان أعرفه راحةً وهدوءًا. مستحيل تكون عندك هموم مثل بقية الناس».
ابتسم منير.
كانت الابتسامة نفسها التي يعرفها الجميع، لكنه هذه المرة شعر بثقلها على وجهه.
سأل مازن فجأة:
«لو اختفت كل الأشياء التي تجعل الناس يحترمونك، هل ستظل تحترم نفسك؟»
ضحك مازن، وعدّ السؤال مزحة، ثم غادر بعد دقائق.
أما منير، فبقي مكانه.
لم يكن السؤال صعبًا لأنه لم يعرف الإجابة؛ بل لأنه خاف أن يعرفها.
في المساء، وقف أمام المرآة مرة أخرى. لم يجد وجهًا غريبًا، ولم يسمع صوتًا، ولم يحدث شيء خارق للطبيعة.
كان هناك رجل عادي، بعينين متعبتين وملامح أخفت خلفها سنوات من التظاهر.
قال منير بصوت خافت:
«لقد قضيت عمري أحاول ألّا أكون الشخص الذي يكرهه الناس، ونسيت أن أسأل نفسي إن كنت أحب الشخص الذي أصبحت عليه».
ثم أطفأ الضوء.
وفي الظلام، أدرك أن المرآة لم تكن يومًا تخفي عنه شيئًا؛ هو الذي كان يقف أمامها، ويختار ما يريد أن يراه.
لكن الحكاية لم تنتهِ هنا.
بعد أسبوع، تلقّى منير رسالة من رقم مجهول، لم تتجاوز سطرًا واحدًا:
«لقد نجحتَ في خداع الجميع، لكن هل تجرؤ على معرفة مَن خدعتَ أولًا؟»
قرأ الرسالة مرارًا، ثم حذفها.
لم يخبر أحدًا بها.
وفي تلك الليلة، عاد إلى المرآة، لا ليتأكد من وجهه، بل ليتأكد من شيء آخر:
هل كان يخشى اكتشاف الحقيقة، أم كان يخشى أن تكون الحقيقة قد اكتشفته بالفعل؟
أقوال وحِكَم الفصل الأول
«أقسى الأقنعة ليست التي نرتديها أمام الناس، بل التي ننسى أننا نرتديها».
«قد تكسب احترام الجميع، ثم تخسر احترامك لنفسك وأنت تحاول الحفاظ عليه».
«ليس كل هادئٍ مطمئنًا؛ بعض الهدوء مقبرةٌ لأحاديث لم يجرؤ صاحبها على قولها».
«حين تعتاد إرضاء الآخرين، قد يأتي يوم لا تعرف فيه إن كانت ابتسامتك اختيارًا أم عادةً لا تستطيع التخلّص منها».
«أخطر غريب قد تقابله في حياتك هو نفسك، حين تكتشف أنك لا تعرفها كما كنت تظن».
سؤال يتركه الفصل للقارئ
لو اختفت اليوم نظرات الناس وأحكامهم، ولم يعد عليك إثبات أي شيء لأحد، فهل ستبقى الشخص نفسه الذي أنت عليه الآن؟