أسطورة
7 min de lectura · 1.249 palabras
حلّ فصل الخريف على منطقة آحايان ككل سنة، يحمل في طياته رياحًا عاصفة هائجة وبردًا شديدًا قارصًا، لكن هذه المرة لم يحمل معه أمطاره الطوفانية المعتادة، بل اكتفى ببعض من زخاتها تاركا الفلاحين في حيرة من أمرهم وترقب دائم للسماء، تتلوا شفاههم أدعية للخالق علّه يرحمهم ويحميهم من جفاف قد يقع قريبا.
كان عصر ذلك اليوم عاصفا كعادته، الرياح تلاعبت بكل ما هو هش ضعيف فهشمته واقتلعته من جذوره. وسط هذه الفوضى الطبيعية جلست ̎ أريناس ̎ قارئة العشيرة والبلد على مكتبها منهكة وقد ظهرت ٲسفل عينيها زرقة عميقة تنمي عن حقيقة قضائها لليال طوال دون ٲن يغمض لها جفن، وسط كومة المخطوطات والكتب المبعثرة أمامها. لوهلة شعرت ببعض الأسى لأنها مَنَعت الجميع من الدخول عليها في غرفة عملها إلى أن تنتهي من ترجمة المخطوط الذي تضعه بين يديها، حتى خطاطها ̎ أمالو̎ ابن العشر سنوات منعته من الدخول وأرسلته لبيت أهله ليحظى ببعض الراحة .
زفرت بتعب وهي تضع رأسها على سطح المكتب الخشبي – الذي تشبع برائحة عصارة الصنوبر- مسندة إياه على ٲطراف يديها التي غطتهما أكمام ثوبها الأزرق الفضفاضة والتي مُلئت بزخارف ونقوش من خيوط ذهبية، لوهلة شعرت بأنّ قواها قد خارت بالكامل وأنها ستستسلم وسط الأجواء المعتمة من حولها للنوم، لكن سرعان ما عصفت الريح لتلعب بدفتيّ النافذة الخشبيتين بالخارج معلنة عن حضورها القوي، فما كان من الشابة المغلوب عن أمرها إلا أن قامت من مكانها تمسك بأطراف ثوبها الحريري المزركش الذي تدلى على الأرضية الخشبية والذي ملئت أطرافه هي الأخرى بزخارف ذهبية بديعة -زخارف ستجدها في نفس الحزام الذهبي الثقيل الذي رُبط حول خصرها النحيف - لتفتح دفة النافذة الزجاجية وتغلق دفتيه الخشبيتين الخارجيتين، فعمّ الهدوء والظلام أركان الغرفة الصغيرة يتخلله من حين ﻵخر صوت حسيس النار على الموقد بزاويتها. بخطى بطيئة متثاقلة قامت الشابة بحمل شمعة من درج مكتبها واقتربت من الموقد الدافئ لتشعلها ثم توجهت نحو فانوسها الزجاجي على الطاولة أمامها لينير لها ظلمة العصر التي حلّت عليها، معلنة عن استمرارها في عملها بدل الرضوخ لسلطان النوم.
وسط ذلك السكون المريح، كانت ̎أريناس̎ قد غاصت مجددا في الكلمات التي لم تجد لها أي معنى، والتي أعجزتها نوعا ما وخذلت قدرتها المميزة على قراءة هذه اللغة القديمة العتيقة...لغة القِمم. ثم عادت لتحمل قلمها المصنوع من قصب لتغمره في الحبر ثم تشمر عن ساعديها لتشرع في رسم تلك الرموز الغريبة التي لم يكن أحد في البلد كلها قادرا على قراءتها غيرها، ثم فكرت في عمق إذا كانت الكلمات المبهمة بالنسبة لها في المخطوط القديم -والتي كان منبعها آثار وأضرحة قديمة كغيرها من المخطوطات - تشبه ٳلى حد بعيد تلك التي خطتها على مسودتها. ووسط تركيزها العميق ذاك، إذ بأحدهم يطرق باب الغرفة وينادي عليها، محطما سكون المكان وهدوءه بعنف قوي. لقد أخبرت الجميع بأنها بحاجة للتركيز عدة أيام على عملها ولا تحتاج لقدوم أي شخص، لكن من الصوت الرجولي النشيط علمت بأن هذا الشخص بالذات سيدهس على رغباتها وقوانينها بسهولة دون أن يَردع ويَخضع لها أو حتى دون أن يهتم بما طلبته منه.
عليك الرحيل لا أزال أعمل.
إن لم تفتح الباب سأحطمه.
زفرت ̎ أريناس̎ بغضب ويأس وهي تعلم بأنّ هذ الشاب سيقوم بتحطيم الباب بسهولة ودون أن يَطلب أي إذن، وبالمقابل لن يحصل على أي عقاب. قامت من مكانها مجددا متكاسلة تجر ذيل ثوبها الحريري بخطى بطيئة حتى وصلت ٳلى الباب ففتحته لتطل بملل على الطارق.
هل أمي تسأل عني ؟
همهم الشاب عظيم البنية الذي يقف بالخارج ثم قال׃ وهو يمسك بدفة الباب ويدفع بأريناس نحو الداخل:
ليست أمك من تسأل عنك فقط بل العالم كله، الأرض، السماء، النهر العظيم، الغابة العظيمة.
تجاوزها مسرعا نحو المكتب ليحمل إحدى المخطوطات الأسطورية ويحملق فيها وكأنه الشيء الوحيد الذي كان يسعى إليه منذ البداية لزيارته المفاجئة، كان يعبث بلحية ذقنه المشذبة الحمراء ومن الواضح بأنه لم يفقه شيئا مما كتب، لكنه شعر ببعض من الفخر والعزة وهو يرى ابنة أخيه قد اختيرت لتكون قارئا بعد مئة عام من اختيار آخر قارئ في الميساب كلها.
دع الوثيقة يا ̎ إيفر̎، لا يسمح لأحد بلمسها غير المنقبين والباحثين.
دعيني أعيش لحظات العزة هذه براحة البال يا ابنة أخي.
تركته لحاله عائدة إلى مقعدها الخشبي وهي تعلم بأن هذا الشاب الذي يصغرها بثلاث سنوات سيقوم بما يريد متى ٲراد دون استشارتها ٲو حتى طلب اﻹذن منها، فهو مدلل العائلة وكبيرها وهو أكثر فرد فيها يمثل عنفوانها، تهورها وطيشها المجنون.
حدقت في ملابسه الصوفية التي تلطخت بالدماء ثم قالت له:
هل كنت في غزوة صيد؟
أجابها بحماس وهو يعيد الوثيقة للطاولة وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:
ليست غزوة ... لقد ذهبت بمفردي هذه المّرة... لن تصدق ما حصل؟
حاول أن يرتب بضع خصيلات من شعره الأحمر المتطايرة من ذيل الحصان القصير الذي ربط خلفه منتظرا السؤال الموالي بشغف.
حسنا ما الذي حصل؟
اعتلت وجهه ابتسامة سعادة حاول أن يخفيها بملامحه الجادة التي لم تكن تلائمه في نظر̎ أريناس̎، ممّا جعلها تبتسم بلطف وهي تستمع لحكايته البطولية حول أطراف غابات الجبل العظيم حيث واجه بعضا من الخنازير البرّية الهائجة وكافح لقتلها، كل هذا وهو يسعى خلف غزال كبير كانت الذئاب نفسها تسعى له. والكثير من الأحداث الأخرى، ومن حين ﻵخر يشير بيديه إلى حزام الصوف حول خصره الذي غطت الدماء معظمه أو إلى بدلته الجلدية التي تعرضت لخدوش، ثم يمدّ يده ليخرج خنجره من غمده، ليريها الطريقة البطولية التي دافع فيها عن نفسه، وطبعا هو لم يقصّر فقد كان طوال ثرثرته المفرطة يمدح نفسه بطريقة غير مباشرة .
يسعدني أنّك عدت سالما.
عليكِ أن تأتي معي لمنزل خالتي فقد أعدوا وليمة من لحم الغزال هناك .
حدقت ̎ أريناس̎ في ̎ إيفر̎ باندهاش:
اعتقدت بأنّك ستكرم والدتك به أولا.
تلعثم قليلا في كلامه وهو يحك شعر رأسه الأحمر جاعلا بضعا من شعراته تفلت مجددا من رباطها.
لقد وعدت خالتي قبل أمي بهذا، ووعد الحر دين عليه كما تعلمين.
ليدب قلق مشوب بالخجل داخله وهو يدرك بأنه لم يفكر في والدته أولا قبل خالته، ما يعني في قرارات نفسه بأنه ابن عاق، وقد كان التفكير في هذا لوحده يطعن كرامته وشهامته، لكن سرعان ما وجد لنفسه عذرا بأنّ صرامة والدته وقوانينها التي كادت تُحَرِم رحلات صيده العزيزة على قلبه والتي يعتبر قطعها كقطع شرايين حياته لربما واحدة من أسباب نسيانها، ولربما لطف ولين خالته جعلها تحتل مكانة الأم الحقيقية لديه فهو قد أغدق بالمدح بالأشعار كلما عاد لبيتها من رحلة صيد من رحلاته المضنية وشعر في حضرتها بأنه رجل لا طفل صغير مثلما تراه أمه في عينيها رغم بلوغه سن التاسعة عشر.
شرع يغير الموضوع قائلا:
على أية حال ارتدي عباءتك وقومي نذهب قبل أن يخفت ضوء النهار ويحلّ الليل علينا.
لكني ما أزال مشغولة كما ترى .
ذاق ذرعا بحججها الواهية كما يراها هو، فسحبها من معصمها بقبضته القوية وهو يقول ساخرا:
أنظري لوجهك...الموت يدنو منك يوما بعد يوم وأنت تستمرين في أفعالك المجنونة هذه.
أولا دع يدي فهذا مؤلم.
ترك معصمها وجمع كلتا يديه إلى صدره ثم قال باستغراب:
لم أشد يدي حتى لتشعري بالألم، أنظري لنفسك الآن، لربما علينا أن نربط كيس قمح فيك لكيلا تطير بك الرياح إذا خرجنا.
تنهدت ̎ أريناس ̎ مستسلمة وتوجهت نحو عباءتها السوداء المطرزة المعلقة على الجدار، ثم تلمست تطريزها الذهبي البديع كما تفعل دائما قبل أن ترتديها، في حين حدق بها عمّها بنوع من السعادة والفخر، فلقد أخرجها من جحرها أخيرا ولا بد من أنه سيحصل على مديح لا مثيل له من خالته. أسدلت ̎ أريناس ̎ قلنسوتها الكبيرة على رأسها وأعلنت عن خروجها للخدم عند الباب الخارجي لمنزل عائلة والدها عظيم الشٲن، ثم امتطت حصان ̎ إيفر̎ متوجهة لوليمة المساء وهي تفكر بأنه لا بأس بقليل من الراحة بين الحين واﻵخر، وتمنت لو أنّ ̎ أمالو̎ كان معها ليتذوق لحم الغزال ولو لمرة في حياته.