Portada de دف العائله حكاية حب لاينتهي دف العائله حكاية حب لاينتهيde احمد الرحال User 9089 Capítulo 2

الفصل 2

9 min de lectura · 2.129 palabras

### رواية دفء العائلة

بقلم: أحمد رحال

### الفصل الثاني: أشياء لا نراها في عيون آبائنا

استيقظت في صباح اليوم التالي على صوت أمي وهي تنادي إخوتي من المطبخ، بينما كانت رائحة الخبز الساخن تنتشر في أرجاء المنزل. فتحت عيني ببطء، ونظرت إلى الساعة، ثم ابتسمت عندما سمعت صوت أخي الصغير يعترض على استيقاظه المبكر، وصوت أمي ترد عليه بنبرة تجمع بين الحزم والحنان.

— هيا يا بني، الشمس أشرقت، ولن ينتظرك العالم حتى تستيقظ!

جاء صوته من الغرفة المجاورة:

— خمس دقائق يا أمي، خمس دقائق فقط!

ضحكت وأنا أنهض من سريري. كان هذا المشهد يتكرر كل صباح، حتى أصبح جزءًا من حياتنا التي اعتدناها، ولم نفكر يومًا في مقدار الحب الذي يختبئ خلف هذه التفاصيل الصغيرة.

غسلت وجهي وخرجت إلى الصالة، فوجدت أبي جالسًا على كرسيه المعتاد، يرتشف قهوته بصمت، بينما كانت عيناه تتنقلان بيننا وكأنه يتأكد أن الجميع بخير.

اقتربت منه وجلست بجانبه.

— صباح الخير يا أبي.

رفع رأسه وابتسم.

— صباح النور يا ولدي. هل نمت جيدًا؟

— نعم، وأنت؟

— الحمد لله.

كانت إجابته قصيرة، كعادته دائمًا. لكنني لاحظت أن وجهه يبدو أكثر إرهاقًا من الأمس، وأنه يحاول إخفاء ذلك بابتسامته المعتادة.

ترددت قليلًا، ثم سألته:

— أبي، هل ستذهب إلى العمل اليوم؟

نظر إليّ باستغراب بسيط.

— بالطبع، لماذا تسأل؟

— لا شيء، فقط أردت أن أعرف.

وضع فنجانه على الطاولة وربت على كتفي.

— العمل مسؤولية يا بني، وهناك أشياء كثيرة لا بد أن نقوم بها حتى لو كنا متعبين.

لم أجد ما أقوله، فبقيت جالسًا إلى جواره، أراقب يديه اللتين حملتا سنوات طويلة من التعب، وأتساءل كم مرة أخفى فيهما ألمًا لم نعرف عنه شيئًا.

دخلت أمي وهي تحمل صحن الفطور، وقالت مبتسمة:

— بدلًا من أن تجلسا هكذا وكأنكما تناقشان أمور الدولة، تعاليا إلى المائدة قبل أن يبرد الطعام!

ضحك أبي، ونهضنا معًا.

كانت مائدة الإفطار أكثر الأماكن التي تكشف شخصياتنا الحقيقية.

أخي الأكبر يحب أن يتحدث عن خططه للمستقبل، وأختي لا تتوقف عن الحديث عن صديقاتها، أما أخي الصغير فكان يجد دائمًا سببًا للاعتراض على شيء ما. وأمي، كعادتها، تحاول أن تمنح كل واحد منا فرصة للكلام، حتى لو تحدثنا جميعًا في الوقت نفسه.

في ذلك الصباح، بدأ أخي الأكبر يتحدث عن رغبته في البحث عن عمل جديد، وقال إنه يريد أن يعتمد على نفسه، وألا يظل أبي مسؤولًا عن كل شيء في المنزل.

ابتسم أبي بفخر، ثم قال:

— هذا ما أتمناه لكم جميعًا. أريد أن أراكم قادرين على بناء حياتكم بأنفسكم، لكن تذكروا أن الاستقلال لا يعني أن يبتعد الإنسان عن عائلته.

رد أخي:

— أعرف يا أبي، لكنني لا أريدك أن تتعب أكثر من أجلنا.

توقفت يد أبي للحظة، ثم وضع قطعة الخبز في صحنه ونظر إلى ابنيْه، قبل أن يصحح حديثه بهدوء:

— أنتم لستم عبئًا عليّ. أنتم أجمل ما في حياتي. لكن من واجب كل واحد منكم أن يتعلم كيف يتحمل مسؤوليته، حتى لا يصبح الحب اعتمادًا دائمًا على الآخرين.

تدخلت أمي قائلة:

— وأهم من العمل والمال أن تتعلموا كيف تقفون بجانب بعضكم. قد يستطيع الإنسان أن يكسب رزقه وحده، لكنه لا يستطيع أن يعوض قلبًا خسره بسبب كلمة قاسية أو موقف أناني.

ساد الهدوء للحظات، ثم عادت الأحاديث والضحكات إلى المائدة.

كنت أنظر إليهما وأشعر أن أبي وأمي يحاولان تعليمنا أشياء أكبر من أعمارنا، أشياء لن نفهمها بالكامل إلا عندما نواجه الحياة بأنفسنا.

بعد الإفطار، خرجت مع أبي إلى فناء المنزل. كان يستعد للذهاب إلى عمله، لكنه توقف قرب الباب يبحث عن مفاتيحه.

قلت له:

— أبي، دعني أساعدك.

ناولني المفاتيح التي وجدها فوق الطاولة، ثم ابتسم.

— يبدو أنك بدأت تلاحظ الأشياء قبل أن أطلبها منك.

قلت مازحًا:

— لا تقلق، سأصبح رجل البيت عندما تكبر!

ضحك أبي ضحكة صادقة، ثم وضع يده على رأسي.

— أتمنى أن تصبح رجلًا يعتمد عليه الجميع، لكن لا تنسَ أن القوة ليست في أن تتحمل كل شيء وحدك. القوة الحقيقية أن تعرف متى تطلب المساعدة، ومتى تمد يدك إلى شخص يحتاج إليك.

لم تكن تلك أول نصيحة أسمعها منه، لكنها كانت من النصائح التي بقيت عالقة في ذهني.

وقبل أن يخرج، التفت نحوي وقال:

— اهتم بأمك وإخوتك اليوم، وإذا احتاج أحدهم إلى شيء، فلا تجعله يشعر بأنه يطلب الكثير.

أجبته بثقة:

— لا تشغل بالك يا أبي.

خرج وأغلق الباب خلفه، وبقيت أراقبه من النافذة حتى ابتعد عن المنزل.

لم أكن أعلم أن كلماته البسيطة ستجعلني أنظر إلى مسؤولياتي داخل البيت بطريقة مختلفة.

مرّ النهار هادئًا في بدايته، حتى حدث خلاف صغير بين أخي الأكبر وأختي.

كان السبب أمرًا بسيطًا يتعلق باستخدام الهاتف، لكنه سرعان ما تحول إلى نقاش حاد. ارتفعت الأصوات، وبدأ كل واحد منهما يستعيد مواقف قديمة ليبرهن أنه على حق.

حاولت أمي تهدئتهما، لكن أخي قال بانفعال:

— دائمًا تطلبون مني أن أتنازل! لماذا لا يحاول أحد فهمي؟

ردت أختي والدموع تملأ عينيها:

— لأنك لا تسمع أحدًا! تظن أن رأيك هو الصحيح دائمًا!

ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب.

وقف أخي مكانه للحظات، وكأنه لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد، ثم حمل هاتفه وغادر الصالة.

تنهدت أمي وجلست على الأريكة.

اقتربت منها وسألتها:

— لماذا يحوّل إخوتي كل شيء إلى مشكلة كبيرة؟

نظرت إليّ بحنان وقالت:

— لأننا أحيانًا نتمسك بأن نكون على حق أكثر من تمسكنا بمن نحب. يا بني، ليس كل خلاف يحتاج إلى منتصر، فبعض الخلافات لا تنتهي إلا عندما يتذكر الطرفان أنهما أغلى من المشكلة نفسها.

جلست بجانبها، وبقيت أفكر في كلماتها.

بعد دقائق، نهضت أمي واتجهت إلى غرفة أختي. سمعتها تتحدث إليها بصوت خافت، ثم خرجت وجلست مع أخي الأكبر في الصالة.

لم تجبر أحدهما على الاعتذار، ولم تخبرهما بأن مشاعرهما غير مهمة. استمعت إلى كليهما، وتركت لكل واحد فرصة ليهدأ ويفكر.

وبعد قليل، خرجت أختي من غرفتها، ووقفت أمام أخيها.

قالت بصوت منخفض:

— لم يكن عليّ أن أرفع صوتي عليك.

نظر إليها أخي، ثم تنهد وقال:

— وأنا أيضًا بالغت في رد فعلي. آسف.

ابتسمت أمي، وعادت إلى المطبخ دون أن تضيف شيئًا.

أما أنا، ففهمت يومها أن بعض أعظم أعمال الأم لا يلاحظها أحد. فهي لا تطبخ الطعام فحسب، ولا ترتب الغرف فقط، بل تحاول كل يوم أن تجمع القلوب التي قد تفرقها لحظة غضب.

في المساء، عاد أبي إلى المنزل متأخرًا قليلًا.

سمعنا صوت المفتاح في الباب، فخرج أخي الصغير مسرعًا ليستقبله، وتبعته أختي وهي تخبره عن شيء حدث معها في المدرسة.

ابتسم أبي، واستمع إليها باهتمام، ثم سأل أخي عن يومه.

كان يبدو سعيدًا برؤيتنا، لكنه جلس بعد قليل وأغمض عينيه للحظات.

اقتربت منه أمي وقالت:

— هل أنت بخير؟

فتح عينيه وأجاب:

— نعم، مجرد تعب بسيط.

وضعت أمامه كوبًا من الماء، ثم جلست إلى جواره.

— أنت تقول دائمًا إنه تعب بسيط، لكنني أعرف أنك تحمل في قلبك أشياء كثيرة لا تتحدث عنها.

نظر إليها أبي طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.

— لا أريد أن أقلقكم.

أجابته أمي:

— نحن لا نريد منك أن تكون قويًا طوال الوقت. نريدك أن تشعر أنك لست وحدك أيضًا.

لم يرد أبي مباشرة، بل نظر نحو المائدة حيث كان إخوتي يتحدثون ويضحكون، ثم قال:

— أحيانًا أخاف أن يأتي يوم لا أستطيع فيه توفير كل ما يحتاجون إليه.

أمسكت أمي بيده وقالت:

— أنت منحتهم ما هو أهم من الأشياء التي يمكن شراؤها. علمتهم أن البيت مكان للعودة، وأن الخطأ يمكن إصلاحه، وأن المحبة لا تتوقف عند أول خلاف. لا تجعل خوفك من الغد ينسيك أنك صنعت لهم اليوم ذكريات جميلة.

كنت أقف عند مدخل الصالة، وقد سمعت حديثهما دون قصد.

شعرت بغصة في حلقي.

للمرة الأولى، أدركت أن أبي لا يخاف من التعب بقدر ما يخاف من أن يعجز عن حمايتنا، وأن أمي لا تهتم بنا وحدنا، بل تحمل همّه أيضًا، وتحاول أن تمنحه القوة التي يمنحنا إياها كل يوم.

عدت إلى الصالة وجلست مع إخوتي، لكن شيئًا في داخلي تغيّر.

نظرت إلى أبي، ثم إلى أمي، وشعرت أنني أريد أن أفعل شيئًا، مهما كان بسيطًا، حتى لا يبقيا وحدهما في مواجهة مسؤوليات الحياة.

بعد العشاء، اجتمعنا في غرفة الجلوس.

كان أبي قد استعاد بعض نشاطه، وأخذ يسألنا عن خططنا للأيام القادمة. تحدث أخي الأكبر عن العمل، وأخبرتنا أختي عن أمنية تتمنى تحقيقها، بينما بدأ أخي الصغير يشرح لنا فكرة غريبة لمشروع يريد أن ينفذه عندما يكبر.

ضحكنا من حماسه، لكن أبي استمع إليه بجدية، ثم قال:

— لا تسخروا من أحلام بعضكم. قد تبدو الفكرة صغيرة اليوم، لكنها قد تصبح شيئًا كبيرًا غدًا. واجبنا أن نشجع بعضنا، لا أن نجعل الخوف من الفشل يمنعنا من المحاولة.

ثم التفت إلينا جميعًا.

— أريد منكم أن تتذكروا أن العائلة ليست مكانًا نعود إليه عندما نفشل فقط. العائلة هي المكان الذي نتعلم فيه كيف ننجح، وكيف نحاول مرة أخرى، وكيف نقف بعد كل تعثر.

قال أخي الأكبر:

— وهل تعتقد أننا سنبقى دائمًا قريبين من بعضنا يا أبي؟

ابتسم أبي، لكنه لم يجب بسرعة.

نظر إلى وجوهنا واحدًا واحدًا، ثم قال:

— أتمنى ذلك. لكنني أعرف أن الحياة ستأخذ كل واحد منكم إلى طريق مختلف. ستكبرون، وستنشغلون، وستختلفون أحيانًا. لهذا لا أطلب منكم ألا تختلفوا، بل أطلب منكم ألا تنسوا كيف تعودون إلى بعضكم بعد الاختلاف.

مدت أمي يدها نحو أخي الصغير، فاقترب منها واتكأ على كتفها.

قالت لنا:

— لا أريد أن أرى أحدكم يطرق باب أخيه وهو خائف من أن يُرفض، ولا أن تبقى بينكم خصومة لأن أحدكم ينتظر الآخر ليبدأ بالاعتذار. إذا أخطأتم، اعتذروا. وإذا أخطأ غيركم، امنحوه فرصة للإصلاح. فليس هناك إنسان كامل، حتى داخل البيت الذي نعتقد أنه يعرفنا أكثر من أي مكان آخر.

بقيت كلماتها تتردد في رأسي.

كنت أفكر في عدد المرات التي تشاجرت فيها مع إخوتي على أمور تافهة، وفي المرات التي تركت فيها أمي تناديني أكثر من مرة قبل أن أساعدها، وفي اللحظات التي ظننت فيها أن أبي لا يفهمني لأنه لا يتحدث كثيرًا.

كم من الحب كان حولي ولم أنتبه إليه؟

وكم من الأشياء الجميلة اعتبرتها حقًا مضمونًا، بينما كانت في الحقيقة هدايا تتجدد كل يوم؟

في تلك الليلة، ذهبت إلى المطبخ لأشرب الماء، فوجدت أمي وحدها ترتب الأطباق.

قلت لها:

— أمي، لماذا لا ترتاحين؟ لقد قضيت اليوم كله تعملين.

ابتسمت دون أن ترفع عينيها عن الأطباق.

— سأرتاح بعد أن أنتهي.

أخذت منها أحد الأطباق وبدأت أساعدها.

نظرت إليّ بدهشة.

— ما بك اليوم؟ هل تحتاج إلى شيء؟

ضحكت وقلت:

— ألا أستطيع مساعدتك من دون أن أحتاج إلى شيء؟

ضحكت هي الأخرى، ثم قالت:

— تستطيع يا ولدي، وهذا ما يسعدني.

عملنا معًا في صمت لبعض الوقت، ثم سألتها:

— أمي، هل كنتِ تتعبين مثلنا عندما كنتِ صغيرة؟

توقفت قليلًا، وكأن السؤال أعاد إليها ذكريات بعيدة.

— بالطبع. كنت أحلم بأشياء كثيرة، وأخاف من أشياء أخرى، وأحيانًا كنت أظن أن الكبار يعرفون كل الإجابات. ثم كبرت وعرفت أن الكبار أيضًا يتعلمون، ويخطئون، ويخافون، لكنهم يحاولون أن يمنحوا أبناءهم شعورًا بالأمان حتى عندما لا يملكون كل الحلول.

نظرت إليها وقلت:

— وهل أنتِ سعيدة يا أمي؟

تركت الطبق من يدها، ومسحت يديها بالمنشفة، ثم اقتربت مني.

— أنا سعيدة بكم، لكن سعادتي تكتمل عندما أراكم تعرفون قيمة بعضكم. لا أريد أن تكبروا وتكتشفوا بعد سنوات أنكم أضعتم أوقاتًا كثيرة في الغضب، بينما كان بإمكانكم أن تصنعوا فيها ذكريات جميلة.

احتضنتني، فأسندت رأسي إلى كتفها للحظات.

كان عناقها يشبه كل العناق الذي عرفته في طفولتي، لكنه بدا لي هذه المرة مختلفًا. شعرت أنني لا أريد أن أكبر بسرعة، ولا أريد أن تتغير الأشياء التي أحبها، ولا أريد أن يأتي يوم أبحث فيه عن هذه اللحظة فلا أجد منها إلا ذكرى.

لكنني كنت أعرف، في مكان عميق من قلبي، أن الحياة لا تتوقف عند رغباتنا، وأن كل مرحلة تحمل معها أشياء جديدة، بعضها جميل وبعضها صعب.

عندما عدت إلى غرفتي، وجدت أبي واقفًا قرب النافذة ينظر إلى الشارع.

سألته:

— أبي، لماذا لم تنم بعد؟

التفت إليّ وقال:

— أنت أيضًا لم تنم.

اقتربت منه ووقفت بجانبه.

كان الشارع هادئًا، والمصابيح تلقي ضوءًا خافتًا على الطريق، وفي المنزل المجاور كان أحدهم يغلق نافذته استعدادًا للنوم.

قلت له:

— كنت أفكر في كلامك اليوم.

— أي كلام؟

— عندما قلت إن العائلة يجب أن تبقى متماسكة مهما حدث.

تنهد أبي، ثم وضع يده على كتفي.

— لأنني أريدكم أن تكونوا لبعضكم سندًا. قد لا أستطيع أن أكون بجانبكم في كل لحظة، وقد لا تستطيع أمكم أن تحل كل مشكلاتكم، لكنني أتمنى أن تجدوا في بعضكم ما يساعدكم على تجاوز الأيام الصعبة.

سكت قليلًا، ثم تابع:

— تذكر يا أحمد، أن الحب ليس في أن نقول دائمًا إننا نحب بعضنا. الحب أن نلاحظ تعب من حولنا، وأن نساعد قبل أن يُطلب منا، وأن نعتذر عندما نخطئ، وأن نحافظ على كرامة بعضنا حتى عندما نختلف.

شعرت أن كلماته هذه المرة موجهة إليّ وحدي.

قلت له:

— سأحاول يا أبي.

ابتسم وقال:

— لا أطلب منك أن تكون مثاليًا. أطلب منك فقط أن تتعلم، وأن تتذكر أن من تحبهم يحتاجون إلى أفعالك بقدر ما يحتاجون إلى كلماتك.

ثم أطفأ المصباح القريب من النافذة، وطلب مني أن أذهب إلى النوم.

استلقيت على سريري، لكنني بقيت مستيقظًا وقتًا طويلًا.

كنت أفكر في أبي الذي يخرج كل صباح ليعمل، وفي أمي التي تمنحنا يومها دون أن تنتظر شكرًا، وفي إخوتي الذين أختلف معهم ثم أبحث عنهم عندما يغيبون عني قليلًا.

أدركت أن دفء العائلة لا يأتي من خلوّ حياتنا من المشكلات، بل من وجود أشخاص يختارون البقاء قريبين منا رغم كل شيء.

لم يكن بيتنا مثاليًا، ولم نكن عائلة لا تخطئ، لكننا كنا نملك فرصة ثمينة: أن نتعلم كيف نحب بعضنا بصورة أفضل كل يوم.

وقبل أن يغلبني النوم، قطعت وعدًا لنفسي.

إذا رأيت أبي متعبًا، سأحاول أن أكون إلى جانبه.

وإذا وجدت أمي صامتة، سأجلس معها وأسألها عن حالها.

وإذا اختلفت مع إخوتي، فلن أترك الغضب يطول أكثر مما يستحق.

لم أكن أعلم أن الوفاء بهذا الوعد سيكون أصعب مما تخيلت، وأن الأيام القادمة ستكشف لنا أمورًا لم نكن مستعدين لها.

لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا: أن البيت الذي جمعنا يستحق أن نحافظ عليه، وأن الحب الذي منحنا إياه أبي وأمي يجب ألا يبقى مجرد كلمات نسمعها، بل يصبح طريقة نعيش بها.

وفي الصباح التالي، عندما خرج أبي إلى عمله كعادته، لاحظت أنه نسي ملفًا مهمًا فوق الطاولة.

أسرعت إلى الباب لألحق به، لكنني توقفت عندما رأيت ورقة صغيرة سقطت من الملف.

انحنيت والتقطتها.

لم تكن رسالة عادية، بل ورقة تحمل موعدًا في المستشفى، وتحت الموعد كُتبت كلمات جعلت قلبي ينقبض:

«ضرورة مراجعة الطبيب وإجراء الفحوصات في أقرب وقت».

وقفت في مكاني، والورقة ترتجف بين أصابعي.

لم أفهم كل ما تعنيه، ولم أكن أريد أن أصدق أن هناك شيئًا يخفيه أبي عنا.

لكن سؤالًا واحدًا بدأ يتردد في رأسي:

ما الذي يحدث لأبي، ولماذا اختار أن يواجهه وحده؟