حياة لا تكفي
7 min de lectura · 1.385 palabras
لم يكن ياسين يكره حياته، لكنه لم يعد يراها كافية.
كان في الرابعة والثلاثين من عمره، يعمل منذ سنوات في قسم المشتريات بإحدى الشركات التجارية في مدينة مزدحمة، تتسابق مبانيها في الارتفاع، وتعرض متاجرها المضاءة كل ما قد يرغب الناس في امتلاكه.
كان راتبه منتظمًا، وعمله مستقرًا، ويعيش مع زوجته مريم وابنتهما الصغيرة سلمى، التي كانت تمتلئ معها أوقات البيت بالحركة والأسئلة التي لا تنتهي.
ومع ذلك، لم يكن يرى في حياته ما يكفيه.
كانوا يسكنون شقة متواضعة في الطابق الثالث من بناية قديمة نسبيً،. غرفتان وصالة صغيرة، ومطبخ لا يتسع إلا لشخصين بالكاد. لم تكن الشقة سيئة، لكنها لم تكن البيت الذي ظل يراه في أحلامه، ذلك البيت الواسع الذي تخيل فيه غرفة مستقلة لابنته، وشرفة تطل على حديقة صغيرة، ومكانًا يجلس فيه مساءً دون أن يسمع ضجيج الجيران.
كان يردد في نفسه أن الأمر ليس مستحيلًا، وأنه لا يطلب المستحيل أصلًا. يريد فقط أن يعيش حياة أفضل، وأن يوفر لأسرته ما تستحقه.
لكن المشكلة أن كلمة «أفضل» كانت تتسع في ذهنه كلما اقترب من تحقيق شيء منها.
في صباح يوم الثلاثاء، جلس ياسين إلى مائدة الإفطار، يتصفح هاتفه بينما كانت مريم تضع الخبز والشاي أمامه، ظهر له منشور لأحد زملائه القدامى، يقف أمام سيارة جديدة، وإلى جواره زوجته وأطفاله، كانت الصورة مصحوبة بعبارة قصيرة عن حصاد سنوات التعب.
توقف ياسين عند الصورة لحظات.
لم يكن يحسد الرجل، أو هكذا أخبر نفسه، لكنه شعر بشيء من الضيق، كانا قد بدآ العمل في الفترة نفسها تقريبًا، بل إن ياسين كان يتفوق عليه في بعض المهام. ومع ذلك، بدا أن حياة الآخر تسير بسرعة أكبر.
قالت مريم وهي تجلس قبالته:
— هل تأخرت اليوم أيضًا؟
رفع عينيه عن الهاتف.
— لا، ما زال أمامي بعض الوقت.
— إذن تناول إفطارك قبل أن يبرد.
وضع الهاتف جانبًا، لكنه ظل يفكر في الصورة.
سألته مريم:
— ما بك؟
— لا شيء. رأيت صورة لزميل قديم اشترى سيارة جديدة.
ابتسمت.
— الحمد لله، الله يبارك له فيها.
— نعم، يستحق. اجتهد كثيرًا.
ثم أضاف بعد لحظة:
— أحيانًا أشعر أننا لا نتقدم يا مريم. منذ سنوات ونحن في الشقة نفسها، ونحسب حساب كل مصروف، بينما غيرنا استطاع أن يغير حياته.
نظرت إليه بهدوء.
— نحن أيضًا تغيرت حياتنا يا ياسين.
— كيف؟
— أصبحت لدينا سلمى، وأصبح لدينا بيت نجتمع فيه، والحمد لله لا ينقصنا الضروري. أتذكر كيف كنا في بداية زواجنا؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— أتذكر.
قالت وهي ترتب طرف مفرش المائدة:
— أنا أيضًا أتمنى أن ننتقل إلى بيت أكبر، لكن لا أريد أن نستعجل ونحمّل أنفسنا ما لا نطيق.
نظر إليها ياسين، ثم قال:
— أخشى أن تمر السنوات ونظل نؤجل كل شيء.
— سنصل بإذن الله، لكنني أريد أن نصل ونحن مطمئنان إلى الطريق الذي سلكناه.
نظر إليها، ثم أخذ رشفة من الشاي.
كان يحب في مريم هذا النوع من الحديث، لكنه في بعض الأيام كان يشعر أنها تذكره بأشياء يحاول ألا يفكر فيها: الوقت، والانتظار، والحدود التي لا يستطيع تجاوزها.
قال محاولًا إنهاء الحديث:
— إن شاء الله، سيأتي يوم ونشتري بيتًا أفضل.
أجابته:
— إن شاء الله، وما عند الله خير وأبقى.
ثم نهضت لتوقظ سلمى استعدادًا للمدرسة، أما ياسين فعاد إلى هاتفه قبل أن يغادر.
في الشركة، كان يومه مزدحمًا بالمراجعات والاجتماعات. يعمل ياسين في قسم المشتريات منذ سبع سنوات، وقد اكتسب خبرة جيدة في التعامل مع الموردين ومقارنة العروض والتفاوض على الأسعار.
كان يعرف كيف يقرأ الأرقام، ويكتشف الفروق الصغيرة بين عرض وآخر، ويميز متى يكون السعر المنخفض علامة جودة، ومتى يكون مجرد وسيلة لجذب العميل.
كان مديره، فؤاد، يعتمد عليه في كثير من الملفات، ويثني أحيانًا على دقته وحسن تنظيمه.
وفي ذلك الصباح، استدعاه فؤاد إلى مكتبه.
— ياسين، أريدك أن تراجع عروض الموردين الخاصة بالدفعة القادمة. لدينا أكثر من جهة تقدمت، وأريد مقارنة دقيقة قبل اتخاذ القرار.
— حاضر.
— لا تتعجل في الاختيار. السعر مهم، لكن جودة المواد والالتزام بالمواعيد أهم أيضًا.
— بالتأكيد.
عاد ياسين إلى مكتبه، وفتح الملفات التي أرسلها الموردون. كان أمامه عمل طويل، لكنه لم يكن من النوع الذي يزعجه؛ بل كان يشعر بالارتياح عندما ينشغل بالأرقام والترتيب.
وبينما كان يقارن العروض، اقترب منه زميله سامر، ووضع كوب القهوة على طرف المكتب.
— هل انتهيت من مراجعة الملفات؟
— لم أنتهِ بعد. هناك فروق تحتاج إلى تدقيق.
سحب سامر كرسيًا وجلس.
— أنت لا تتغير. حتى في أبسط الملفات تتعامل معها كأنك تحل مسألة رياضية.
ابتسم ياسين.
— هذه أموال الشركة، وليست ألعابي الخاصة.
ضحك سامر.
— ولهذا بالضبط لن تصبح غنيًا بسرعة.
لم يعلق ياسين.
أكمل سامر حديثه عن رحلة قام بها نهاية الأسبوع، وعن مطعم جديد افتتح في المدينة، ثم أراه بعض الصور على هاتفه.
كان سامر ينتقل من موضوع إلى آخر بخفة، لكنه لم يكد ينهي حديثًا حتى يجد طريقة لذكر ما يملكه الآخرون أو ما حققوه.
قال وهو يعيد هاتفه إلى جيبه:
— بالمناسبة، هل ما زلت تسكن في الشقة القديمة؟
— نعم.
— أما زلت تفكر في شراء منزل؟
— أفكر، لكن الأمر يحتاج إلى مبلغ كبير.
هز سامر رأسه.
— الرواتب وحدها لا تصنع شيئًا يا صديقي. من يريد أن يتقدم عليه أن يعرف كيف يستفيد من الفرص.
نظر إليه ياسين.
— أي فرص؟
ابتسم سامر ابتسامة عابرة.
— لا شيء. ستفهم مع الوقت.
ثم نهض وعاد إلى مكتبه.
ظل ياسين يتأمل عبارته لثوانٍ، قبل أن يعود إلى الملفات.
لم تكن الجملة جديدة عليه. سمع مثلها كثيرًا من قبل، لكنه لم يكن يهتم بها. كان يرى أن طريق النجاح واضح: العمل والاجتهاد والصبر.
غير أنه بدأ يلاحظ في السنوات الأخيرة أن بعض الناس يتقدمون بطرق لا يفهمها، وأن بعض الذين لم يكونوا أكثر كفاءة منه أصبحوا يعيشون حياة أكثر رفاهية.
وكان السؤال الذي يزعجه يظهر كلما رأى واحدًا منهم:
هل يكفي أن أكون مجتهدًا حتى أصل إلى ما أريد؟
في المساء، عاد ياسين إلى المنزل متعبًا.
وجد سلمى جالسة على الأرض، تحاول تركيب قطع لعبة صغيرة، بينما كانت مريم ترتب بعض الملابس.
ركضت الطفلة نحوه فور أن رأته.
— أبي! انظر ماذا صنعت!
انحنى إليها، وحمل اللعبة التي كانت ترفعها بفخر.
— ما شاء الله! هل صنعتِها وحدك؟
— ساعدتني أمي قليلًا.
ضحك وقبّل رأسها.
جلس بعدها إلى جوار مريم، وأخبرها أن العمل كان مزدحمًا، ثم تحدثا عن بعض المصاريف القادمة.
كانت هناك دفعة من إيجار الشقة، ومبلغ يحتاجان إلى ادخاره من أجل بعض الإصلاحات، إلى جانب مصاريف المدرسة واحتياجات المنزل.
قال ياسين:
— لو استطعنا توفير مبلغ إضافي كل شهر، ربما نتمكن من شراء بيت خلال سنوات قليلة.
أجابته مريم:
— يمكننا أن نضع خطة للادخار. لا نحتاج إلى استعجال الأمر.
— أخشى أن تمر السنوات ونبقى في المكان نفسه.
نظرت إليه.
— وهل المكان هو الذي يحدد إن كنا نتقدم أم لا؟
لم يجب.
أضافت:
— يا ياسين، أنا لا أقول إن علينا ألا نطمح. لكن لا تجعل ما نملكه قليلًا في عينيك لمجرد أنك رأيت ما عند غيرنا.
أطرق قليلًا، ثم قال:
— أحيانًا أشعر أنني أستطيع أن أفعل أكثر.
— إذن افعل، واجتهد، وابحث عن عمل أفضل إن استطعت. لكن لا تجعل استعجالك يسبق رضا الله.
لم يرد عليها هذه المرة أيضًا.
بعد أن نامت سلمى، بقي ياسين وحده في الصالة.
كان ضوء الهاتف ينعكس على وجهه بينما يتصفح إعلانات العقارات. شقق جديدة، ومنازل واسعة، وواجهات جميلة، ومساحات كان يتمنى أن يعيش فيها يومًا.
توقف عند منزل أعجبه كثيرًا.
تخيل سلمى وهي تركض في غرفتها، ومريم وهي تعد الطعام في مطبخ واسع، وتخيل نفسه يعود من العمل فيجلس في غرفة هادئة يقرأ فيها أو يشرب قهوته.
فتح تفاصيل السعر، ثم أغلق الإعلان.
كان المبلغ بعيدًا عن قدرته الحالية.
وضع الهاتف على الطاولة، وأسند ظهره إلى الأريكة.
لم يكن يريد مالًا كثيرًا لمجرد جمعه، كان يريد أن يشعر أن سنوات العمل لم تذهب سدى، وأنه يستطيع أن يمنح أسرته حياة تشبه ما يراه حوله.
لكن ما لم ينتبه إليه ياسين في تلك الليلة أن رغبته في امتلاك حياة أفضل بدأت تتحول شيئًا فشيئًا إلى شعور بأنه لا يملك ما يكفي أبدًا.
وفي صباح اليوم التالي، بينما كان يراجع بعض ملفات المشتريات، تلقى اتصالًا من رقم لم يكن مسجلًا في هاتفه.
— السلام عليكم، أستاذ ياسين؟
— وعليكم السلام، نعم، من معي؟
— معك نادر، من مؤسسة التوريد. التقينا الأسبوع الماضي في الشركة بخصوص العروض الجديدة.
— أهلًا أستاذ نادر، تفضل.
— أردت أن أستفسر عن موعد اعتماد الطلبات، وأتمنى أن يكون لنا نصيب في التعامل معكم هذه المرة.
— القرار لم يُحسم بعد. ستتم مراجعة العروض، وسيُختار الأنسب.
ضحك نادر بهدوء.
— أعلم ذلك، وأعرف أنك رجل تفهم عملك جيدًا. ولهذا تحديدًا أردت أن أتحدث معك في أمر آخر، بعيدًا عن الإجراءات الرسمية.
توقف ياسين عن الكتابة.
— تفضل.
صمت نادر لحظة، ثم قال بنبرة ودودة:
— أعتقد أننا نستطيع أن نجد طريقة يستفيد منها الجميع.
لم يفهم ياسين تمامًا ما يقصده، أو ربما فهم أكثر مما أراد أن يعترف به.
قال:
— ماذا تقصد؟
أجابه نادر:
— لا شيء يستدعي الاستغراب. مجرد تقدير خاص لتعاونك معنا، إذا سارت الأمور كما نأمل.
ساد الصمت بينهما.
نظر ياسين إلى شاشة الحاسوب، حيث كانت عروض الموردين مفتوحة أمامه، ثم أعاد الهاتف إلى أذنه.
— أعتقد أن علينا أن نبقي الأمور في إطار العمل الرسمي.
— بالطبع، بالطبع. لم أقصد غير ذلك. فكر في الأمر فقط، وسنتحدث لاحقًا.
انتهت المكالمة.
ظل ياسين ممسكًا بالهاتف بضع ثوانٍ، ثم وضعه على المكتب وعاد إلى الملفات.
كان العرض غامضًا بما يكفي ليتمكن من تجاهله، وواضحًا بما يكفي ليظل حاضرًا في ذهنه.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يعد يفكر في أسعار الموردين وحدها.
كان يفكر في شيء آخر.
شيء لم يكن قد قرر بعد إن كان سيقبله أم يرفضه.