يا قاتل الروحبقلم صدى القارئ فصل 2

الحي بلا أمان

3 دقائق قراءة · 429 كلمة

لم يمر يوم كامل منذ حادث السيدة سلمى، ومع ذلك ما زالت صرختها عالقة في رأسي، تتكرر بلا توقف وكأنها رفضت أن تموت معها، وكأن المكان كله احتفظ بها ليعيدها كلما حاولت أن أنسى.

الحي لم يتغير… أو ربما أنا الذي تغيّرت، صرت أراه بشكل أوضح، أكثر قسوة، أكثر صدقًا مما كنت أظن، كل زاوية فيه تحمل احتمال خطر، وكل وجه أخفي وراءه ما هو أسوأ مما يظهر.

خرجت من البيت وأنا أحاول إقناع نفسي أن الأمر طبيعي، أن الحياة يجب أن تستمر، وأنني لست الهدف، لكن قلبي لم يهدأ لحظة، كان ينبض بسرعة غير مريحة، كأنه يعرف شيئًا لا أستطيع فهمه.

اتجهت نحو المحل الصغير في آخر الشارع، نفس المحل الذي كنت أزوره دائمًا دون أن أفكر مرتين، لكن اليوم بدا مختلفًا، الباب نصف مفتوح، والهدوء في الداخل أثقل من المعتاد.

دخلت ببطء، وعيناي تتحركان بحذر، صاحب المحل كان خلف الطاولة، لكنه لم يرفع رأسه، كأنه يتجنب النظر إلى أي أحد، بينما وقف شاب في الزاوية، يراقب بصمت، نظراته حادة ومركّزة بشكل غير مريح.

تقدمت خطوة، ثم أخرى، وأنا أشعر بأن المكان يضيق حولي، حاولت أن أطلب ما جئت لأجله، لكن صوتي خرج أخفض مما توقعت، وكأنني أخشى أن أزعج شيئًا غير مرئي.

فجأة، انكسر الصمت.

صوت ارتطام قوي تبعه صراخ، التفتّ بسرعة لأرى الشاب يمسك بصاحب المحل من ثيابه، يدفعه بعنف نحو الحائط، وعيناه مليئتان بغضب لم يكن طبيعيًا، غضب يشبه ذلك الذي رأيته في عيون الناس بالأمس… لكن هذه المرة كان أقرب، وأخطر.

تجمّد جسدي في مكاني، لم أتحرك، لم أصرخ، فقط راقبت.

صاحب المحل حاول أن يتكلم، أن يبرر، أن يهدئ الوضع، لكن الكلمات خرجت متقطعة، ضعيفة، لا تقنع أحدًا، ولا توقف ما بدأ.

وفي لحظة سريعة، رفع الشاب يده، ولمحت شيئًا يلمع فيها.

لم أفكر.

تراجعت خطوة إلى الخلف، ثم أخرى، حتى أصبحت قريبًا من الباب، بينما قلبي يضرب صدري بقوة كأنه يحاول الهرب قبلي، وعيناي لا تزالان معلقتين بالمشهد.

لم أعرف إن كان سيقتله… أو اكتفى بتخويفه…

لم أنتظر لأعرف.

خرجت.

الهواء في الخارج لم يكن أهدأ، لكنه على الأقل لم يكن مليئًا بذلك التوتر الخانق، مشيت بسرعة دون أن ألتفت، وكأن المكان كله قد يتحول في أي لحظة إلى نسخة أخرى من ما حدث للسيدة سلمى.

عندها فقط أدركت أن ما رأيته بالأمس لم يكن حادثة منفصلة، ولم يكن استثناءً.

كان القاعدة.

في هذا العالم، لم يعد السؤال من هو المخطئ ومن هو الصحيح، لأن ذلك لم يعد يهم، الشيء الوحيد الذي يهم هو أن تبقى حيًا، أن تنجو بأي طريقة، وأن تحافظ على ما تبقى منك قبل أن يأخذه هذا العالم منك دون أن تشعر.

زمان، كان الواحد يعرف إلى أين ينتمي، وكان في شيء اسمه أمان، أو على الأقل وهم الأمان، أما الآن، فكل شيء ضائع، لا أحد يراقب أحد، لا قانون، لا رحمة، فقط فوضى صامتة تنتظر لحظة الانفجار.