حين يصبح الدم عاديًا
3 دقائق قراءة · 417 كلمة
كل يوم أصحو على نفس الجدران الباردة التي صارت تحفظ ملامحي أكثر مما أفعل أنا، وعلى نفس الشوارع الضيقة التي لا تتسع إلا للضيق الذي نحمله في صدورنا، وعلى نفس الوجوه التي لم تعد تعرف شيئًا سوى الحقد المتراكم منذ سنوات لا أحد يذكر بدايتها.
لم يعد أحد ينظر إلى الآخر كإنسان، الكل يراقب بصمت، يحسب، يقارن، ثم يكره دون سبب واضح، وكأن الكراهية أصبحت ردّة فعل طبيعية لا تحتاج إلى مبرر.
في البداية حاولت أن أقاوم هذا الشعور، أقنعت نفسي أن الخير لم يمت، أنه فقط مختبئ في مكان ما ينتظر لحظة مناسبة ليظهر، لكن مع مرور الأيام بدأت تلك الفكرة تذبل تدريجيًا، حتى اختفت دون أن أشعر.
صرت ألاحظ تفاصيل لم أكن أراها من قبل، ابتسامات طويلة أكثر من اللازم تخفي خلفها شيئًا غير مريح، نظرات تنسحب بسرعة كأنها خائفة من أن تُكشف، وكلمات طيبة تُقال ببرود شديد كأنها مجرد واجب لا يحمل أي شعور حقيقي.
حتى وصلت إلى مرحلة لم أعد أصدق فيها شيئًا.
ذلك الصباح لم يكن مختلفًا عن غيره، أو هكذا ظننت، حتى اخترقت صرخة حادة الصمت فجأة، صرخة لم تبدُ كأنها خرجت من إنسان بقدر ما كانت وكأنها صادرة من المكان نفسه، فتجمّدت لثانية قبل أن تتحرك قدماي من تلقاء نفسي نحو مصدر الصوت.
خرجت إلى الشارع بسرعة، والقلب يسبقني بخطوات ثقيلة، لأجد تجمعًا صغيرًا من الناس يقفون على مسافة، لا أحد يقترب، لا أحد يفعل شيئًا، فقط ينظرون بصمت بارد وكأنهم يشاهدون مشهدًا مألوفًا.
اقتربت أكثر، وعندها رأيتها.
السيدة سلمى كانت ملقاة على الأرض، جسدها مائل قليلًا كأنها حاولت التمسك بشيء قبل أن تسقط، ودمها امتد بصمت فوق الإسفلت مشكّلًا خطًا داكنًا يقطع الطريق، بينما عيناها بقيتا مفتوحتين على اتساعهما، ليس من الخوف بل من دهشة لم تكتمل.
توقفت فجأة، وشعرت بشيء داخلي يتراجع إلى الخلف، كأن جسدي يحاول أن ينجو وحده ويتركني في مواجهة المشهد، أردت أن أقترب أكثر لكن قدماي لم تستجيبا.
رفعت نظري حولي، فرأيت وجوهًا جامدة لا تحمل أي صدمة أو حزن، فقط فضول بارد، وسمعت أحدهم يهمس بصوت منخفض بأن الأمر لا بد أن له علاقة بشيء، بينما ردّ آخر بلا مبالاة أن هذا الزمن لم يعد يرحم أحدًا، وكأن ما حدث أمر عادي لا يستحق التوقف عنده.
لم يغضب أحد، ولم يسأل أحد من الفاعل، وكأن الجريمة لم تعد شيئًا غريبًا بل نتيجة طبيعية لعالم فقد كل معنى.
في تلك اللحظة فقط فهمت أن المشكلة لم تعد في الموت نفسه، بل في أن لا أحد يهتم.
نظرت إلى الدم مرة أخرى، وشعرت بثقل غريب يضغط على صدري، ثم سألت بصوت خافت بالكاد سمعته أنا: "يا قاتل الروح… وين بدك تروح؟"، لكن لم يجبني أحد، ولم يكن هناك سوى صمت ثقيل، صمت بدا وكأنه أعمق من القتل نفسه.