اسمي غريببقلم صدى القارئ فصل 1

ولادة غريب

3 دقائق قراءة · 401 كلمة

في ربيع عام 1948، كانت القرية الصغيرة تعيش على أطراف أرضٍ لا تهدأ، تنتقل أخبار الحرب همسًا بين الرجال، وتخبئ النساء القلق خلف الدعاء، بينما الأطفال يلعبون دون أن يفهموا أن العالم يتغير. لكن في تلك الليلة، كان بيت طيني في طرف القرية يعيش حدثًا آخر، صرخات امرأة في المخاض وقابلة عجوز تتمتم بآيات من القرآن، ورجل يقف خارج الباب، يمشي خطوة ويتوقف كأن قلبه يسبق الزمن. السماء كانت ساكنة بشكل غريب، لا ريح، لا صوت طيور، حتى الهواء بدا ثقيلًا. ثم وُلد الطفل، لكن لم يبكِ، لم يصرخ، كان مستلقيًا بين يدي أمه وعيناه مفتوحتان بالكامل، ينظر بنظرة ثابتة وعميقة لا تشبه نظرة رضيع خرج لتوه إلى الدنيا. القابلة ارتبكت وهمست: "سبحان الله…"

في تلك اللحظة، انطفأت المصابيح الزيتية فجأة وغرق البيت في ظلام كامل، شهقت الأم وتجمّد الأب عند الباب، ثم عاد الضوء وحده، لم يلمس أحد المصابيح ولم يكن هناك ريح، فقط عاد النور وكأن شيئًا أراد أن يُظهر وجه الطفل. اقترب الأب ببطء وحمله بين يديه لأول مرة، كانت حرارة جسده دافئة لكن نظراته باردة وثابتة. مدّ الأب إصبعه فأمسك الطفل به بقوة غير متوقعة، قوة أربكت قلبه، ظل ينظر في عينيه طويلًا ثم خرجت الكلمات من فمه دون تخطيط: "هذا الطفل… غريب." سكت لحظة ثم قال بثبات أكبر: "اسمه غريب."

في الخارج، بدأت كلاب القرية تنبح فجأة، نباح حادّ ومتواصل، كأنها تشعر بشيء لا يراه البشر، فتبادل الأب والأم نظرة صامتة ومنذ تلك الليلة لم تعد القرية كما كانت. مرّت الأيام وغريب لم يكن كثير البكاء، كان يحدّق في السقف لساعات وكأنه يتأمل شيئًا غير مرئي، أحيانًا يبتسم فجأة وأحيانًا يمدّ يده في الهواء كأنه يلمس شيئًا. حين بلغ الثالثة، بدأ يقول كلمات لم يتعلمها، ومرة قال لوالده: "الناس سيغادرون قريبًا." ضحك الأب: "إلى أين يا صغيري؟" لكن بعد أسابيع، بدأت العائلات تترك القرية بسبب الحرب، وبدأ شيء في قلب الأب يقلق.

وفي إحدى الليالي، استيقظت الأم على صوت همس، دخلت الغرفة ووجدت غريبًا جالسًا في الظلام ينظر نحو زاوية فارغة، قالت برفق: "مع من تتكلم؟" فأجاب ببساطة: "هو هنا." نظرت ولم يكن هناك أحد. ومنذ تلك اللحظة، بدأت همسات القرية تكبر: "هذا الولد مختلف." "عيناه ليست كعيون الأطفال." "هو يرى ما لا نرى."

لكن غريب لم يكن شريرًا، كان طيب القلب، يساعد الفقراء ويحزن إن بكى أحد، ويبتسم للأطفال رغم أنهم يخافونه، لكنه كان يشعر بوحدة عميقة. وفي مساء هادئ، جلس على صخرة خارج القرية، رفع رأسه نحو السماء وسأل أول سؤال في حياته: "لماذا أنا مختلف؟" لم تأته إجابة، لكن داخله شيء بدأ يستيقظ، وكان ذلك بداية الطريق.