على شاطئ طبريابقلم صدى القارئ فصل 2

بين الناس والماء

3 دقائق قراءة · 523 كلمة

بقيت أنظر إلى شاشة هاتفي لبضع ثوانٍ بعد أن كتبت السطر الأول من الرواية، ثم رفعت رأسي من جديد.

كان المكان قد ازداد ازدحامًا عما كان عليه عند وصولنا في الصباح. عائلات جديدة وصلت، وأخرى بدأت تستقر في أماكنها. الأصوات كانت كثيرة، لكنها لم تكن مزعجة، بل بدت كجزء طبيعي من المشهد، مثل الماء والأشجار والضوء.

من مكاني كنت أرى الأطفال يركضون على الشاطئ؛ بعضهم يلعب بالكرة، وبعضهم يقترب من الماء قبل أن يناديه أحد والديه. كانت ضحكاتهم تصلني متقطعة مع الهواء، وكأنها لا تأتي من جهة واحدة.

التفت قليلًا فرأيت مجموعة من الشبان يضحكون وهم يستعدون للنزول إلى البحيرة، وعلى مقربة منهم رجل يجلس تحت ظل شجرة يقرأ كتابًا، غير مهتم بما حوله.

أعجبتني الفكرة.

في المكان نفسه، وتحت الشمس نفسها، كان كل شخص يعيش يومه بطريقة مختلفة.

بالقرب من الصخور، كان عدد من الصيادين يجلسون بصبر. لم يكن أحد منهم مستعجلًا، وكأن البحيرة علمتهم أن بعض الأشياء لا تأتي إلا لمن ينتظر.

زوجتي كانت تتابع الأطفال بين الحين والآخر، بينما ترتب ما أحضرناه معنا. أما أنا فكنت أتنقل بنظري بين الناس وبين البحيرة، وكأنني أحاول أن أحفظ هذا اليوم قبل أن ينتهي.

لفت انتباهي شيء آخر.

كنت أسمع أكثر من لغة حولي؛ العربية من جهة، والعبرية من جهة أخرى، ولهجات مختلفة تختلط في الهواء. لكل مجموعة عالمها الخاص، لكنهم جميعًا يجتمعون في المكان نفسه.

ابتسمت في داخلي.

كم هو غريب أن يلتقي هذا العدد من الناس المختلفين في نقطة واحدة.

لكل واحد حياة مختلفة، وبيت مختلف، وقصة لا يعرفها أحد غيره… ومع ذلك كانوا جميعًا ينظرون إلى الماء نفسه.

كانت البحيرة في تلك اللحظة تبدو كأنها نقطة التقاء كبيرة، لا تسأل أحدًا من أين جاء، ولا إلى أين سيذهب.

راقبت طفلين يلعبان بالقرب من الماء. لم أكن أعرف إن كانا من العائلة نفسها، لكن ذلك لم يكن مهمًا لهما. كانا يركضان ويضحكان وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل.

أحيانًا يفعل الأطفال ما يعجز عنه الكبار؛ يفهمون بعضهم دون أسئلة كثيرة.

مرّت نسمة هواء خفيفة فحرّكت أوراق الأشجار فوق رؤوسنا. رفعت بصري للحظة، ثم عدت أنظر إلى البحيرة.

كانت الشمس قد ارتفعت أكثر، وانعكس ضوؤها على سطح الماء حتى بدا وكأنه مغطى بنقاط لامعة صغيرة.

كلما نظرت إلى هذا المشهد، وجدت نفسي أعود إلى نفس الفكرة:

كم مرة تكرر هذا اليوم؟

ليس يوم العيد فقط، بل هذا المشهد كله… بأشخاصه وتفاصيله.

عائلات جاءت ورحلت.

أطفال لعبوا هنا ثم كبروا.

وأشخاص جلسوا في نفس المكان الذي أجلس فيه الآن.

ربما قبل سنوات طويلة… أو ربما قبل وقت قريب لا أعرفه.

وفجأة شعرت أن الإنسان يمر سريعًا أكثر مما يظن.

نحن نعتقد أن أيامنا طويلة، لكن المكان يبقى شاهدًا على أيام تشبهها كثيرًا.

أخذت هاتفي مرة أخرى، وكتبت بعض الملاحظات قبل أن تضيع من ذهني.

لم أكن أريد أن أكتب عن الشكل فقط، بل عن الإحساس نفسه؛ إحساس الجلوس بين غرباء لا تعرف أسماءهم، ومع ذلك تشعر أنك جزء من لحظة واحدة معهم.

رفعت رأسي من جديد.

كانت الحياة حولي مستمرة بهدوء.

الناس يتحدثون.

الأطفال يركضون.

الماء يتحرك ببطء.

لكن شيئًا في داخلي بدأ يتحرك بشكل مختلف.

لم أعد أكتفي بالمشاهدة فقط…

بدأت أتساءل أكثر.

كيف كان هذا المكان قبل عشرات السنين؟

وقبل مئات السنين؟

وهل كان هناك يومٌ آخر جلس فيه شخص هنا، ونظر إلى الماء بالطريقة نفسها التي أنظر بها أنا الآن؟