الوصول
3 دقائق قراءة · 533 كلمة
في يوم عيد، قررت أن أخرج مع عائلتي إلى شاطئ بحيرة طبريا. لم تكن هذه الزيارة الأولى، فقد زرتها من قبل أكثر من مرة، لكن في كل مرة كنت أشعر أن المكان يحمل شيئًا مختلفًا، يجعل العودة إليه وكأنها زيارة جديدة.
استيقظنا في الصباح الباكر، وكانت الشوارع أكثر هدوءًا مما توقعت. الشمس لم تكن قد اشتدت بعد، والهواء لطيف يحمل برودة خفيفة من ساعات الليل الأخيرة. جهزنا ما نحتاجه لليوم، ثم انطلقنا.
كلما اقتربنا من البحيرة، بدأت ملامح الطريق تتغير. ظهرت التلال البعيدة، واتسعت السماء أمامنا كأنها تفسح المجال للمشهد القادم. كنت أنظر من نافذة السيارة بين الحين والآخر، وأفكر في اليوم الذي ينتظرنا.
وعندما ظهرت أول لمحة من الماء أمامي، شعرت بذلك الإحساس الذي لا يتغير مهما تكررت الزيارة.
وصلنا إلى الشاطئ، وكان المكان يعج بالحياة.
عائلات وصلت منذ ساعات الصباح الأولى، أطفال يركضون بين الأشجار، وشباب يحملون كرات وألعابًا مختلفة، وأصوات ضحك تختلط بهدوء الماء، فتبدو وكأنها جزء من المشهد نفسه.
اخترنا مكانًا قريبًا من الأشجار، وبدأنا نرتب أغراضنا بهدوء. فرشنا المكان ووضعنا ما أحضرناه معنا، ثم جلس كل واحد منا بطريقته يستمتع باليوم.
بعد أن انتهينا من ترتيب المكان، بدأنا بتجهيز ما أحضرناه معنا لهذا اليوم. حتى بدأت روائح المشاوي تنتشر في المكان شيئًا فشيئًا. حولنا كانت العائلات منشغلة بالحديث والضحك، بينما ارتفع دخان خفيف نحو السماء واختلط بالهواء القادم من جهة البحيرة.
رفعت رأسي أتأمل ما حولي.
كانت الأشجار تمتد على أطراف الشاطئ، بأغصان تتحرك بهدوء مع الهواء. أما الصخور القريبة من الماء فكانت تحمل ألوانًا مختلفة؛ بعضها رمادي فاتح، وبعضها يميل إلى البني الذهبي، وكأن الشمس تركت عليها أثر سنوات طويلة.
كان سطح البحيرة هادئًا في تلك اللحظة، والموج الخفيف يتقدم نحو الشاطئ ثم يعود ببطء، في حركة تتكرر منذ زمن لا يُقاس بسهولة.
في كل مرة كنت أنظر فيها إلى الماء، كنت أشعر أن بحيرة طبريا أكبر من مجرد مكان يقصده الناس للنزهة.
كم شخص وقف هنا قبلي؟
كم عائلة جاءت وعاشت يومًا يشبه يومنا؟
وكم إنسان نظر إلى هذا الماء نفسه، ثم مضى وبقي المكان كما هو؟
كانت هذه الأسئلة تدور في ذهني وأنا أراقب المكان.
لم يكن الشاطئ يجمع نوعًا واحدًا من الناس. كنت أسمع العربية من جهة، والعبرية من جهة أخرى، ولهجات مختلفة تختلط في الهواء. عائلات من أماكن متعددة، وثقافات مختلفة، لكن الجميع جاء لسبب واحد: قضاء يوم بالقرب من الماء.
الأطفال كانوا يلعبون دون أن يهتموا بأي اختلاف حولهم. يركضون خلف الكرة نفسها، ويضحكون للسبب نفسه، وكأن العالم أبسط مما يراه الكبار.
جلست قليلًا بعيدًا عن الضجيج، وأخرجت هاتفي.
كنت أراقب البحيرة وأفكر في القصص التي مرّت من هنا عبر السنين. ربما كان شكل المكان مختلفًا قبل مئة عام، وربما كانت التفاصيل أقل أو أكثر، لكن المؤكد أن الزمن مرّ من هنا كما مرّ في كل مكان.
كل جيل رأى البحيرة بطريقته.
وكل زمن ترك أثره فيها.
في تلك اللحظة، خطرت لي فكرة لم أستطع تجاهلها.
لماذا لا أكتب عن هذا اليوم؟
ليس عن حدث استثنائي، بل عن المكان نفسه… وعن الناس… وعن اللحظة التي تمضي دون أن نشعر بها.
فتحت صفحة جديدة على الهاتف وكتبت أول سطر.
ومن هناك بدأت حكاية "على شاطئ طبريا"، الرواية التي قررت أن أنشرها لاحقًا على موقع ريشة، لعل القارئ يعيش هذه اللحظة كما عشتها أنا.
رفعت عيني عن الشاشة، ونظرت مرة أخرى إلى البحيرة.
كان النهار ما يزال في بدايته، أما قصتي… فقد بدأت للتو.