لم أبتعد كثيرًابقلم صدى القارئ فصل 2

أعذارٌ هادئة

دقيقتان قراءة · 380 كلمة

أنت لا تهرب بشكل واضح، ولا تقول لنفسك إنك ترفض، بل تفعل شيئًا أخف من ذلك بكثير… تؤجل. تؤجل الفكرة، الشعور، وحتى تلك اللحظة التي شعرت فيها بشيء صادق في الليلة الماضية. تخبر نفسك أن اليوم مزدحم، وأنك ستعود لاحقًا، حين يخف الضغط، حين تكون في مزاج أفضل، حين تصبح الظروف أنسب.

لكن “لاحقًا” هذه، لا تأتي.

ليس لأنك لا تملك الوقت، بل لأنك ملأت يومك بأشياء تستهلكك دون أن تترك لك مساحة للتوقف. تمضي من مهمة إلى أخرى، من شاشة إلى أخرى، من تفكير إلى آخر، وكأنك تخاف من لحظة الصمت التي قد تعيدك إلى ذلك السؤال البسيط: ماذا ينقصك؟

وأنت تعرف الجواب، لكنك لا تحب أن تسمعه بصراحة.

لذلك، تصنع لنفسك أعذارًا مقبولة، هادئة، لا تزعجك كثيرًا. تقول إنك متعب، وأن التركيز صعب، وأنك لا تريد أن تقرأ بلا حضور. تقول إن القليل لا يكفي، وإنك تفضل أن تبدأ بداية “تليق” بهذا الشيء… بداية مرتبة، طويلة، كاملة.

لكن الحقيقة أن هذه البداية المثالية لم تكن يومًا شرطًا، بل كانت دائمًا حجة مؤجلة.

أنت لا تحتاج وقتًا طويلًا لتقترب، ولا تحتاج حالة خاصة لتبدأ، بل تحتاج فقط أن تتوقف عن وضع هذا الأمر في آخر القائمة، وكأنه أقل أهمية، بينما هو الشيء الوحيد القادر أن يعيد ترتيب كل ما قبله.

تذكر الليلة الماضية، تلك اللحظة القصيرة التي فتحت فيها، ولو بتردد. لم يحدث شيء كبير، لم تتغير حياتك، لكنك شعرت بشيء خفيف، كأن جزءًا منك عاد إلى مكانه. هذا الشعور لم يكن وهمًا، لكنه كان صادقًا بقدر صدقك في تلك اللحظة.

ومع ذلك… تركته يمر.

عدت إلى يومك كأن شيئًا لم يحدث، وعدت إلى نفس الدائرة التي تعرفها جيدًا، نفس الانشغال، نفس التشتت، ونفس الإحساس الذي يظهر في النهاية مهما حاولت إخفاءه.

السؤال ليس لماذا ابتعدت، فذلك أصبح واضحًا، بل السؤال الآن: إلى متى ستستمر في تأجيل شيء تعرف أنه مهم؟

لا أحد يطلب منك التغيير الكامل، ولا أحد ينتظر منك التزامًا كبيرًا دفعة واحدة، لكن الاستمرار في التأجيل لن يخفف هذا الشعور، بل سيجعله أكثر ثقلًا مع الوقت.

أنت لا تحتاج أن تفعل الكثير… بل أن تتوقف عن الاختباء خلف أعذار تعرف في داخلك أنها لم تعد تقنعك.

اليوم، لن أطلب منك شيئًا جديدًا، فقط لا تتجاهل تلك اللحظة إن عادت. لا تؤجلها، ولا تقل “لاحقًا” مرة أخرى.

لأن بعض الأشياء… إن تأخرت كثيرًا، لا تضيع، لكنها تصبح أصعب.

وأنت… لا تحتاج أن تجعلها أصعب مما هي عليه.