ما بين السطور
دقيقتان قراءة · 330 كلمة
قضيتُ ساعات أمام المكتب.
كل ورقة بدت بلا معنى وحدها، لكن حين وضعتها بجانب الأخرى، بدأت تُشكّل شيئًا… أشبه بقصة غير مكتملة.
جمل مبتورة.
أسماء مشطوبة.
تواريخ بلا أحداث.
لكن الشيء الأكثر رعبًا… أنني بدأت أتذكر كتابتها.
لم أكن متأكدًا متى كتبتها، ولا لماذا… لكن إحساسًا ثقيلًا كان يضغط على صدري:
أنا لم آتِ إلى هذا المكان صدفة.
كنتُ أكتب هنا.
وكنتُ أحاول أن أنسى.
وبينما نظرت حول المكتب، بدأت الظلال تتغير. كانت الحافة الحادة للضوء تتسرب من المصباح العالق في الزاوية، وتلعب على الأوراق المبعثرة وكأنها تحاول أن تُعيد ترتيبها نفسها. كان كل ورقة تحمل همسًا، قطعة من لغز قديم، وأنا أستمع إليها كما لو كانت همسات من نفسي التي نسيتُها منذ زمن.
اقتربت من أحد الملفات، وفتحتُه بحذر. كان هناك دفتر صغير، صفحات ممزقة ومخطوطات متراكمة فوق بعضها، بعضها بخطّي الخاص، وبعضها بخطوط أخرى… خط غريب، ليس تمامًا مألوفًا. حاولت أن أقرأ، لكن الكلمات بدأت تتلوى أمام عينيّ، تتحرك، وكأنها تحاول أن تُخفِ نفسها عنّي.
ثم جاء الصوت. ليس صوت شخص آخر، بل صوت داخلي، هامسًا: "لقد نسيتَ ما يجب أن تتذكره… لكن الوقت قد حان."
تسارعت دقات قلبي. حاولت الابتعاد، لكن قدماي بقيتا مثبتتين في مكانهما، كما لو كان المكتب نفسه يريد أن يريّني شيئًا. رفعتُ يدي لأمسك بأحد الأوراق، وإذا بها تحمل عبارة واحدة، مكتوبة بعجلة، وحبرها يلطخ أصابعي:
"أنت هنا لأنك وعدت، لكنك لا تعرف لمن."
تجمّد الهواء للحظة. كل شيء أصبح صامتًا، حتى أن صوت أنفاسي بدا كأنه صدى بعيد. شعرت بأنني على حافة شيء كبير، شيء كنت أحاول دفنه منذ سنوات، شيء… لم أكن مستعدًا لمواجهته بعد.
لكن الورقة التالية كانت أقوى. مجرد كلمات قليلة، لكنها ضربت قلبي كالمطرقة:
"انظر إلى الداخل، ولا تخف من ما ستجده."
أخذت نفسًا عميقًا، وأغمضت عيني، محاولة أن أتذكر… محاولة أن أفتح الأبواب المغلقة في ذاكرتي. حين فتحتها مجددًا، أدركت أن كل شيء حولي لم يكن مجرد أوراق مبعثرة، بل خريطة… خريطة لذاكرتي، وللمكان الذي كنت أحاول الهروب منه منذ البداية.
كان عليّ أن أذهب إلى الداخل، إلى قلب هذا السر، مهما كان الألم الذي ينتظرني هناك.