«ظلّه بعد الغياب»بقلم ريم.. فصل 1

بداية الفراغ

3 دقائق قراءة · 485 كلمة

يگولون الفراق وجع، بس محد يفهم شلون يترك أثره بكل تفصيلة من يومك.

من راح، مو بس غاب وجهه… حتى الأصوات تغيّرت، ريحة البيت، الممر، وحتى نظرات الناس.

كلشي صار ساكت، كأن الزمن واقف ينتظر يرجع حتى يتحرك من جديد.

أگعد الصبح، أباوع التليفون، بعده نفسه — بس ما بيه شي منه. لا رسالة، لا مكالمة، ولا حتى آخر ظهور.

يخطر ببالي كلشي، حتى أول كلمة حچينه بيها. ضحكته، طريقته بالزعل، وحتى سكوتة.

كنت أظن الوقت راح يخليني أنساه، بس كل يوم يمر، أحسّه جرح جديد ينفتح.

يمكن الناس تشوفني ساكتة، بس جوّا قلبي حرب ما تهدأ، صوتي مكتوم ودمعتي ما تطلع.

من يمر الليل، يصير أثقل من الجبال.

السرير واسع، بس كأن بيه ظلّه نايم ويطالعني من بعيد.

كلشي يذكرني بيه: فنجان القهوة، الأغنية اللي يحبها، وحتى الشباك اللي كنا نحچي يمه.

أكو أماكن صارت مقدسة لأن بيها ضحك، وأماكن صارت موجعة لأن بيها وداع.

أغلق التليفون وأحچي وياه بقلبي، كأنه يسمعني.

أكله: “ليش رحت؟ ليش خلتني بهالفراغ؟ ما گلت نكمل سوا؟”

بس الصمت يجاوبني، والريح تحرك الستارة وتذكرني إن ما بقى غير ظلّه.

ظلّه بكل مكان، بس هو… لا.

أحاول أعيش، ألهي نفسي، أضحك ويا الناس، بس كل لحظة فراغ تصير له فرصة يدخل بيها.

حتى لما أحاول أكرهه، أكتشف إن ما أگدر.

الحب مو زر نطفيه، هو نار تبقى تولع حتى لو بردت الدنيا كلها.

كلشي بعده ناقص، حتى نفسي ناقصه.

ما بقى شي مثل قبل، لا أنا ولا قلبي.

كنت أگول الحب يسند، بس ما گالولي الفقد يهدّ، يكسر، يخليج تشوفين الحياة بس لون رمادي ما بيه طعم.

الناس تقول “انسي”، بس شلون أنسى إنسان علّمني شلون أحب الحياة؟

شلون أنسى واحد كان يسمعني قبل لا أحچي؟

كل الذكريات تصير أفلام براسي، أعيشها كل يوم من جديد، وأرجع أتعب نفس التعب، وأبچي نفس البچي.

يمكن الغياب مو موت، بس هو نوع من الموت البطيء.

تتعودين على الصمت، على الوحدة، على الحلم بيه وهو بعيد.

تتعلمين شلون تعيشين ويا ذكراه بدون ما تنهارين، بس الحقيقة إنج تظلين تنهارين من جوّا كل يوم شويه.

أذكر آخر مرة شفته، ما كنت أدري إنها الأخيرة.

كان يضحك، وأنا ضحكت، ما كنت أعرف إن هاي الضحكة راح تبقى آخر شي بينه.

من راح، أخذ ويا ضحكتي، وصار وجهي ما يعرف الابتسامة إلا من باب المجاملة.

الكل يسألني “شلونج؟” وأگول “بخير”، بس الحقيقة إني مو بخير من ذاك اليوم.

مرات أتخيل يرجع، أدور وجهه بالشارع، أتوهم صوته وسط الزحمة.

أكله برجاي: ارجع، حتى لو بس لحظة، خل أگله إني بعدني أحبك رغم كل شي.

بس الغياب ما يعرف الرحمة، ما يرجّع أحد، بس يخلي ظلالهم تمشي ورانا وتذكّرنا بيهم كل يوم.

يمكن بعد وقت طويل أتعلم أعيش بدونك، يمكن أتعلم أضحك بصدق،

بس مو اليوم. اليوم بعدني أعيش ويا ظلّك، ويا الحنين اللي ما خلاني أتنفس من بعدك.

ويمكن، يمكن بس، يوم من الأيام يصير ظلّك خفيف عليّ، ما يوجع، يصير ذكرى حلوة بدل ما يكون وجع.

بس لهسه، ظلّك بعده هنا، بكل مكان، بكل نفس.

مو لأنك باقي، بل لأنك رحت بطريقة خلتك ما تغيب أبد.