بين الطمأنينة والخوف
3 دقائق قراءة · 464 كلمة
بعد تلك الليلة، تغيّر كل شيء داخل صمت.
لم تعد الأيام تمر ثقيلة كما كانت.
أصبح هناك شيء صغير تنتظره كل صباح… رسالة منها.
كانت تستيقظ وتفتح هاتفها بسرعة، وكأن قلبها تعلّم أخيرًا معنى اللهفة.
وفي كل مرة تجد اسم خذلان، كانت تبتسم دون أن تشعر.
وهو أمر أزعجها كثيرًا.
لأنها تعرف نفسها جيدًا.
تعرف أن قلبها حين يتعلق… لا ينجو بسهولة.
بدأت خذلان تأخذ مساحة أكبر في حياتها.
أصبحت تعرف تفاصيل يومها الصغيرة.
متى تنام.
ومتى تصمت.
ومتى تخفي حزنها خلف كلمة "أنا بخير".
وكان هذا أكثر ما أخاف صمت.
أن يوجد شخص يستطيع قراءتها بهذه السهولة.
فهي قضت سنوات طويلة تبني حول نفسها جدرانًا عالية، حتى لا يرى أحد هشاشتها.
لكن خذلان…
دخلت دون أن تحاول حتى.
في إحدى الليالي، كانت صمت مستلقية على سريرها، تحدق بالسقف بصمت، بينما إشعار رسالتها يضيء الشاشة.
فتحت المحادثة بسرعة.
"هل أنتِ مستيقظة؟"
ابتسمت صمت رغم تعبها.
وردّت:
"نعم."
جاءها الرد فورًا:
"كنت أفكر بك."
توقفت أنفاسها للحظة.
مجرد جملة بسيطة…
لكنها أصابت قلبها مباشرة.
لأن أحدًا لم يقل لها هذا من قبل بهذه الصدق.
شعرت بدفء غريب داخلها، لكنها أخفت ارتباكها وكتبت:
"ولماذا؟"
أرسلت خذلان:
"لا أعلم… فقط شعرت أنكِ حزينة الليلة."
أغلقت صمت عينيها بقوة.
كيف تراها دائمًا؟
كيف تشعر بها حتى وهي تحاول الاختباء؟
تدريجيًا، أصبحت خذلان المكان الوحيد الذي تهرب إليه صمت.
حين تغضب.
حين تخاف.
حين تشعر أن العالم يضيق داخلها.
كانت دائمًا تذهب إليها.
ودائمًا تجدها هناك.
ولهذا بدأت تثق بها أكثر مما يجب.
وذات مساء، خرجتا معًا تحت سماء باردة.
كانت الشوارع هادئة، والهواء يحمل رائحة مطر خفيف.
سارت صمت بجانبها بصمت، بينما كانت خذلان تتحدث عن أشياء عشوائية، فقط حتى تجعلها تبتسم.
وفجأة توقفت خذلان ونظرت إليها قائلة:
"أتعلمين شيئًا؟"
رفعت صمت نظرها إليها.
ابتسمت خذلان وقالت:
"أنتِ تظنين نفسك ثقيلة على الجميع… لكنك أخف شخص عرفته."
شعرت صمت بشيء مؤلم يتحرك داخل صدرها.
لأن الكلمات التي تنقصنا طوال عمرنا…
حين نسمعها متأخرًا، تجعلنا نبكي من الداخل.
أخفضت عينيها بسرعة حتى لا ترى خذلان ارتجافها.
لكن خذلان انتبهت.
دائمًا كانت تنتبه.
ومع مرور الأيام، أصبحت صمت تخاف بطريقة جديدة.
لم تعد تخاف الوحدة…
بل أصبحت تخاف فقدان خذلان تحديدًا.
كانت الفكرة وحدها تؤلمها.
ماذا لو تغيّرت؟
ماذا لو أصبحت باردة؟
ماذا لو رحلت مثل الجميع؟
وفي كل مرة تفكر بهذا، كانت تحاول إبعاد الفكرة بسرعة.
لكن قلبها لم يكن مطمئنًا تمامًا.
لأن الأشخاص الذين خُذلوا كثيرًا…
لا يثقون بالسعادة بسهولة.
وفي ليلة طويلة، بينما كانتا تتحدثان، سألتها خذلان فجأة:
"لماذا تخافين مني إلى هذا الحد؟"
سكتت صمت.
ثم كتبت ببطء:
"لأنني أحببت وجودك أكثر مما ينبغي."
توقفت المحادثة للحظات.
شعرت صمت بعدها بالندم.
كرهت أنها اعترفت بهذه السهولة.
كرهت أنها أصبحت ضعيفة أمام أحد مرة أخرى.
لكن بعد دقائق، وصلتها رسالة قصيرة منها:
"وأنا لن أؤذيكِ."
قرأت صمت الرسالة مرات كثيرة.
ثم ضمّت هاتفها إلى صدرها وأغلقت عينيها.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعرت أن قلبها يريد أن يصدق.