البارت 2
دقيقتان قراءة · 276 كلمة
في الصباح،
كان البيت مختلفًا عمّا عرفته في الليل.
الضجيج عاد،
الأصوات تتداخل،
والحياة تمشي كأنها لم تتوقف يومًا لأجل أحد.
جلستُ على طرف الطاولة،
أمسك كتابي بين يديّ،
وأراقب الوجوه من حولي.
كنتُ موجودة…
لكنني لم أكن جزءًا كاملًا بعد.
مرة عمّي وضعت لي الفطور بنفسها،
وقالت بنبرة هادئة:
«كُلي جيدًا.»
هززتُ رأسي شكرًا،
وشعرتُ بشيءٍ يشبه الامتنان،
وشيءٍ آخر يشبه الخوف.
الاهتمام يخيف من اعتاد الغياب.
كان سيف في الطرف الآخر من المطبخ.
لا ينظر نحوي مباشرة،
لكنّه يعرف متى أرفع رأسي،
ومتى أعود إلى صفحتي.
حين نهض الجميع،
بقيتُ وحدي للحظة.
ثم سمعتُ صوته خلفي:
«تحبي تقعدي في الحوش؟ الجو حلو.»
لم أسأله لماذا اختارني بالكلام.
اكتفيتُ بالإيماء.
جلسنا بعيدين،
كلٌّ في مكانه،
والصمت بيننا واسع…
لكنه آمن.
فتحتُ كتابي،
وقرأتُ بصوتٍ خافت دون أن أقصد:
«بعض القلوب لا تطلب شيئًا… فقط تريد أن لا تُترك.»
توقفتُ فجأة.
شعرتُ بالحرج،
كأنني قلتُ شيئًا عن نفسي أكثر مما يجب.
قال سيف بعد لحظة:
«الكتب أحيانًا تقول اللي ما نعرفش نقوله.»
نظرتُ إليه.
لأول مرة…
نظر إليّ هو أيضًا.
لم تكن نظرة فضول،
ولا شفقة،
بل شيء أهدأ…
شيء يشبه الفهم.
قال بعدها،
وكأنه يضع حدًا للكلمات:
«خدي راحتك هنا. محدش مستعجل منك تصيري حاجة.»
تلك الجملة،
استقرت في صدري طويلاً.
في ذلك اليوم،
لاحظتُ أشياء صغيرة:
سيف يمشي خلفي لا أمامي.
يترك لي المقعد القريب من الظل.
ينهي الحديث حين يتعب صوتي.
لم يكن يفعل شيئًا لافتًا،
لكنني بدأت أشعر
أن أحدهم ينتبه لتفاصيلي.
وفي المساء،
حين عدتُ إلى غرفتي،
وجدتُ رواية جديدة على الوسادة.
لم يكن فيها إهداء.
ولا اسم.
لكنني عرفت.
جلستُ على السرير،
وقلبتُ الصفحات،
وأدركتُ للمرة الأولى
أن الخطر ليس في أن أكون وحيدة…
الخطر الحقيقي
أن أعتاد هذا الأمان.