اخو شيخهبقلم Sorr Yu فصل 2

part 2

4 دقائق قراءة · 675 كلمة

الغبار — الجزء الثاني

نزل الرجل عن فرسه عند أول النخل، وترك اللجام يتدلّى، وسار على قدميه. كان طويلًا، عريض الكتفين، أسمر من شمس طويلة، وعلى وجهه غبار عشرين طريقًا لا غبار طريق واحد، وعباءته قديمة لكنها مرتبة، وعگاله مائل قليلًا كمن لبسه على عجل ثم لم يُصلحه فخرًا. مشى بين الناس الذين انفتحوا له كما ينفتح الماء أمام سفينة، ولم يلتفت لأحد، ولم يسلّم على أحد، وكانت عيناه على شيء واحد فقط: المرأة التي تقف على عتبة المضيف.

وقبل أن يرفع رأسه إليها، قبل أن يُرى وجهه كاملًا، قالت مزنة بصوت لم يسمعه أحد قبل ذلك منها:

— هاي خطوة أبوي.

لم تقلها للناس، قالتها لنفسها، لكن حمود سمعها وهو واقف خلفها، وقال بعد ذلك لكل من سأله إن الشيخة نطقت الكلمة كمن يرى شبحًا في وضح النهار.

وصل الرجل إلى العتبة، ووقف على درجة أدنى منها، فكان رأسه بمستوى كتفها، ورفع عينيه، وكانت عيناه عيني شلال… نفس السواد، نفس الثقل، نفس النظرة التي لا تسأل إذنًا.

— السلام على من في هذا المضيف، گال الرجل، وسلام خاص على صدره.

— وعليك السلام يا ولد شلال، قالت مزنة.

لم تسأله من هو. وفي تلك اللحظة عرف كل من في المضيف أنها عرفته قبل أن يعرّف بنفسه، وعرفوا هم أيضًا، وكأن الاسم الذي دُفن في الصدور عشرين سنة خرج دفعة واحدة من الأفواه: ضاري. ضاري بن شلال. ابن الشيخ الذي ذهب ولم يعد.

وسُمع من آخر المضيف همس أمّ عجوز: يا ويلي، رجع.

أما مطلگ فقد قام من مكانه ببطء، ووقف خلف ابنة أخيه، ولم تتغير ملامحه. لم يرتجف حاجبه، ولم تتسع عيناه. نظر إلى ابن أخيه كما ينظر الرجل إلى ضيف تأخر موعده قليلًا، وقال بنبرة هادئة:

— الله حيّه… ولد أخوي شلال.

وانتبه واحد فقط في ذلك المكان إلى أن العم لم يتفاجأ. كان ذلك الواحد هو ضاري نفسه.

---

جلسوا في المضيف كما يجلس الناس في يوم لا يشبه الأيام. صُبّت الگهوة، لكن أحدًا لم يشرب، وبقي فنجان ضاري أمامه يبرد، لأن الضيف لا يشرب قبل أن يُقال له «أهلًا» كاملة، والشيخة لم تقلها بعد.

— عشرين سنة، گال ضاري أخيرًا، وصوته غليظ مبحوح كأنه لم يُستعمل منذ زمن، وما نسيتم الاسم.

— الاسم ما ينسى، قالت مزنة. اللي ينسى هو الوجه، وأنت وجهك صبّ على وجه أبوك، وعمرك أنقص منه.

— وأنتِ عمرك زاد عن عمرك.

— المشيخة تسرق من العمر يا ضاري، وما تردّه.

سكت الرجل لحظة، ثم وضع يده على ركبته وانحنى إلى الأمام قليلًا:

— جيت أگعد في مكاني.

سكن المضيف سكونًا غريبًا، سكون الماء قبل أن ينكسر السدّ.

— مكانك؟ ردّت مزنة، ولم ترتفع نبرتها درجة واحدة. هذا الصدر مو بيت يرجع له صاحبه إذا شبع من الغربة.

— العرف يگول الرجل أحق، وأني ولد الشيخ الوحيد. وأنتِ حفظتِ المكان لحين، وهذا وقت ردّه.

— لحين؟ إحدى عشرة سنة لحين؟ في سنة من هالسنين مات ثلاثة رجال من عشيرتنا وما سقط منهم قطرة ثأر لأني ذهبت بنفسي إلى بيوت القتلة وجلست على التراب وطلبت الصلح. وفي سنة ثانية جفّ الشط وحمَل الرجال السلاح على بعضهم وأنا اللي وقفت بينهم. أنت اللي غبت عشرين سنة تعرف شنو معنى «لحين»؟

— أعرف معنى العرف.

— تعرفه؟ أنت سمعت اسمه من بعيد، ونحن عشناه بالدم.

انحنى ضاري أكثر، وصار صوته أخفض وأخطر:

— أنا ما جيت أتخاصم يا مزنة. جيت أحاسب، وأگعد، وأطلب اللي لي.

وهنا حدث ما جعل الحاضرين يتذكرون ذلك اليوم حتى آخر أعمارهم.

مدّ ضاري يده إلى صدره، تحت العباءة، وأخرج شيئًا صغيرًا ملفوفًا بخرقة سوداء، وفتح الخرقة ببطء بين أصابعه الخشنة، ثم وضع ما فيها على السجادة، بينه وبين الشيخة، أمام عيون الجميع.

كان خاتمًا من فضة قديمة، عليه عين عقيق حمراء محفورة بختم العشيرة.

لم يكن في الديرة من لا يعرفه. خاتم شلال، الشيخ الكبير. الخاتم الذي لم يخلعه من إصبعه يومًا واحدًا في حياته، والذي دُفن به في يده قبل إحدى عشرة سنة، وكانت مزنة نفسها هي التي أغلقت أصابعه عليه بيديها قبل أن يُهال التراب، ولم يرَه أحد بعدها.

سقط فنجان من يد حمود وتكسّر على الأرض، ولم يلتفت إليه أحد.

نظرت مزنة إلى الخاتم، ثم إلى أخيها، ثم إلى الخاتم مرة أخرى، ولم تنطق بحرف.

وكانت تلك أول مرة منذ إحدى عشرة سنة ترتجف فيها يد الشيخة.

---

وقالت العرب في الذين يعودون بعد الغياب الطويل:

شلّال راح وخلّف الديرة يتيمة، والنخل بعده ما حلا له طعم تمره، وخلّى بنيّة تحمل العگال گدّامه، وولدٍ غاب… والغياب أطول من العمر.

يا سامعين الحچاية… هذا أول الغبار، وما بعده أثقل.

.....................

لا تنسى دعم ومتابعة