اخو شيخهبقلم Sorr Yu فصل 1

part 1

3 دقائق قراءة · 586 كلمة

الغبار — الجزء الأول

يا سامعين الحچاية…

شدّوا العگال وصلّوا على النبي، فالحچاية اللي أحچيها ما هي من سوالف السمر اللي تنتهي مع آخر فنجان، هاي حچاية دم، والدم إذا صار حچاية ما ينسى ولا يُنسى.

كان ذاك في أرض تمشي عليها العشيرة من قبل أن يعرف الناس معنى الحدود، بين نخل يشرب من الشط وأرض تبدأ حيث ينتهي الماء، وكان في تلك الأرض مضيف طويل السقف، عالي الركن، تُعلَّق على جدرانه سيوف ما نزلت من مكانها منذ جد الجد، وتُصبّ فيه الگهوة من قبل الفجر إلى ما بعد منتصف الليل، وتجلس في صدره امرأة… نعم امرأة، على المكان اللي ما جلس عليه قبلها غير رجال، وما سأل أحد منهم كيف جلست، لأن الجواب كان مكتوبًا بدماء حفظتها، ورجال ردّتهم عن حرب كانت ستأكل نصف الديرة.

اسمها مزنة بنت شلال، وأبوها شلال كان شيخًا إذا تكلّم سكتت الريح لتسمع، ومات قبل إحدى عشرة سنة وما خلّف في الديرة ولدًا يحمل العگال، فحملته بنته، ومنذ ذاك اليوم صار الناس يقولون «الشيخة» بعد أن كانت العرب لا تعرف غير «الشيخ».

وهاي حچايتها، وحچاية أخيها اللي رجع.

---

كان الصباح صباح خميس، والمضيف عامر. على اليمين جلس أرباب الأفخاذ، وعلى اليسار أهل الحاجة والمظلومون، وفي الوسط دار حمود القهوجي بدلّته يصبّ الفنجان ويهزّ المعصم هزّة صغيرة تعني «كفى» لمن شبع، وقدّام الشيخة وقف رجلان يتخاصمان على حصّة الماء من القناة الشرقية، واحد منهما غضبان يشدّ طرف عباءته كأنه يريد أن يرميها في وجه خصمه.

— أنا سقيت أرضي أول، يا شيخة، وهذا الچذّاب سقى بعدي وما صبر!

— الله يخلّي لسانك يا أبو عليوي، گالت مزنة، وصوتها هادئ مثل نهر في آخر الصيف، لا يرتفع ولا يخفت، لكنك تسمعه في آخر المضيف. تگول إنك سقيت أرضك قبل ثلاثة أيام؟

— ثلاثة أيام والله العظيم.

— مرّ أنا اليوم من عند أرضك وهي رطبة تلمع، والماي ما يبقى في هذا التراب ثلاثة أيام، يبقى يوم ونصف إذا كانت الشمس رحيمة. أرسلوا واحد من الرجال يشوفها، فإن كان كلامي غلط عوّضتك عن ظنّي، وإن كان صدق فأنت تعرف الجواب قبل أن أنطق به.

أطرق الرجل، وانحنى صدره كنخلة ثقيلة بالتمر. وسمع الناس ما لم يُقَل: أن أبا عليوي سقى أرضه الليلة الماضية، من حصة غيره، وأن الشيخة عرفت قبل أن يدخل المضيف. فتنهّد الحاضرون تنهيدة واحدة، تنهيدة الذين يعرفون أن الحق وجد من يحمله، ولو كان الحامل امرأة.

وعلى يمين الشيخة، قريبًا منها كما يليق بأقرب الناس إليها، جلس عمّها مطلگ، رجل أبيض اللحية، هادئ العينين، يمسك سبحته ولا يحرّك منها حبّة. كان إذا حكمت ابنة أخيه هزّ رأسه هزّة خفيفة لا تعرف أهي رضا أم حساب، وكانت العشيرة قد تعوّدت أن تقرأ في تلك الهزّة ما تشاء.

— قضية ثانية، قالت مزنة.

لكنها لم تأتِ.

---

دخل المضيف ولد صغير يركض، حافي القدمين، ولم يدخل كما يدخل الأولاد، بل اندفع كأنه يحمل خبر الموت، وتوقف عند عتبة الباب وصدره يعلو وينخفض، والغبار على رأسه من الطريق.

— يا شيخة… يا شيخة… الغبار! الغبار على الطريق الشرقي!

— الغبار يطلع كل يوم يا ولد.

— مو هالمرة. يمّه گالت لي أركض… واحد جاي، واحد بس، على فرس.

ضحك أحد الحاضرين ضحكة قصيرة وانطفأت. فمن يأتي هذه الأرض وحده على فرس؟ إمّا رسول مصيبة، وإمّا رجل لا يخاف الموت، وكلاهما يستحق أن يُستقبل واقفًا.

نهضت مزنة. لم تنهض بسرعة، لأن الشيخة لا تسرع حتى للقضاء، وإنما قامت بثقل وهيبة، فقام الرجال معها واحدًا بعد واحد، ومشت إلى باب المضيف، وسكن المكان كله، حتى الدلّة توقفت في يد حمود.

كان الغبار يتصاعد من آخر الطريق مثل عمود دخان أصفر، ويقترب، وتحته ظلّ فرس ورجل، والشمس خلفهما تطوّل ظلّيهما على التراب كأنهما أكبر من حجمهما الحقيقي. وكان صوت الحوافر يسبق الفارس، وقع منتظم ثقيل، لا عجلة فيه ولا تردّد، وقع من يعرف الطريق ولو غاب عنه سنين.

قال أحد الرجال بصوت منخفض:

— ما أظن غريب.

ولم يسأله أحد: لماذا؟