رجل يُقال أنه لم يولد أبداً لكنه قد ولدبقلم حداد النهار فصل 2

علامات لرياح تيه

5 دقائق قراءة · 983 كلمة

بكى ريان حتى جفت عيناه، ثم جفتا مرة أخرى، ثم تعلّمتا البكاء من جديد كطفل يولد في غير أوانه. كان جاثياً على ركبتيه أمام الباب الخشبي العتيق، ورأسه ملامس للحجر البارد، وأنفاسه ترسم دوائر صغيرة على الأرض المتربة. لم يشعر بالوقت يمر. في هذا القبو، كان الزمن يتوقف عن الكذب. لا ساعات، لا أيام، لا سنوات. فقط هو وهذا الباب الذي أصبح فجأة أثقل من كل ذكرياته مجتمعة.

نهض بصعوبة. ركبتاه توجعانه كأنهما لم تستخدما منذ زمن. مسح وجهه بكم قميصه الصوفي القديم، ذلك القميص الذي كانت أمه تنسجه له كل شتاء، رغم أن الشتاء في بلدته لا يدوم أكثر من أسبوعين. "البرد الحقيقي يا بني،" كانت تقول، "ليس برد الجسد. برد الروح هو ما يقتل."

صعد الدرجات عائداً إلى غرفته. لم يعد يريد فتح الباب. ليس اليوم. ربما غداً. ربما بعد غد. ربما عندما يموت للمرة الأخيرة.

في الصباح، كان ضوء الشمس كاذباً كعادته. يتسلل من النافذة التي لا تطل على بحر، فيرسم على الحائط أشكالاً تشبه الوجوه. ريان جالس على سريره، ينظر إلى يديه. يقلبهما، يفحص الخطوط التي رسمها الزمن عليها كخريطة لطريق لم يسلكه قط.

"ريان... ريان..."

صوت من الخارج. صوت نسائي، خفيف كنسيم يحمل رائحة الياسمين. إنها سلمى، جارته الوحيدة على بعد كيلومترين. امرأة في الخمسين، لم تتزوج قط، وتعيش وحدها مع ثلاثة قطط وحديقة صغيرة من الزعتر والنعناع. سلمى هي الشخص الوحيد الذي يزور ريان. وهي الوحيدة التي تعرف أنه ليس مجنوناً، كما يظن أهل البلدة. تعرف أن ما به ليس جنوناً. ما به هو "فائض من الوعي"، كما تصفه. وعي زائد عن الحاجة، وعي لا يعرف كيف يصمت.

فتح الباب. وقفت سلمى تحمل سلة خوص مليئة بالخبز الطازج والبيض وزيت الزيتون. نظرت إلى عينيه المتورمتين، إلى وجهه الذي تغير بين عشية وضحاها، إلى شيء في ملامحه كان مفقوداً ثم عاد فجأة.

"بكيت؟" سألت دون مقدمات. سلمى لا تؤمن بالمقدمات.

أحنى رأسه. "نعم."

"منذ متى؟"

"منذ الليلة الماضية. ولأول مرة منذ ثلاثين عاماً."

تركت السلة على عتبة الباب، ودخلت دون انتظار إذن. مشت إلى النافذة، فتحتها على مصراعيها رغم البرد، ثم جلست على الكرسي الخشبي القديم الذي كان يجلس عليه والد ريان قبل أن يختفي.

"أخبرني،" قالت.

فأخبرها. أخبرها عن الباب، عن الصوت، عن البكاء، عن كل شيء. وعندما انتهى، جلست سلمى صامتة لدقائق. كانت تنظر إلى الأفق الوهمي، إلى الصحراء التي لا تنتهي، وكأنها ترى شيئاً لا يراه.

"أتعرف ماذا قالت لي أمي قبل أن تموت؟" قالت أخيراً. "قالت: يا بنيتي، كل إنسان لديه باب في قبو روحه. الأغبياء لا يجدونه أبداً. الجبناء لا يفتحونه أبداً. والحكماء... الحكماء ينتظرون حتى يكبروا بما يكفي ليعرفوا أن ما خلف الباب ليس وحشاً. ما خلف الباب هو أنفسهم. ومواجهة النفس يا سلمى، هي أقصى ما يمكن أن يفعله إنسان."

نهضت. مشت إلى باب القبو. وقفت أمامه للحظة، ثم وضعت أذنها عليه.

"إنه يتنفس،" قالت.

"ماذا؟"

"الباب. إنه يتنفس. ألا تسمعه؟"

اقترب ريان. وضع أذنه أيضاً. في البداية لم يسمع شيئاً. ثم بدأ يسمع. شهيق... زفير... شهيق... زفير... ليس كتنفس إنسان. كتنفس أرض. كتنفس شيء ضخم ومسجون وحزين.

"لا تفتحه اليوم،" قالت سلمى. "اذهب أولاً إلى حيث بدأ كل شيء."

"و أين بدأ كل شيء؟"

ابتسمت. ابتسامتها كانت حزينة كأنها تعرف إجابة سؤال لم يسأله بعد.

"النهر الجاف يا ريان. النهر الذي كنت تلعب على ضفافه حين كنت طفلاً. اذهب إليه. اجلس هناك. تذكر. ثم عد وافتح الباب."

خرجت سلمى، تاركة خلفها رائحة الياسمين والخبز الطازج وسؤالاً ثقيلاً: هل يمكن لإنسان أن يلتقي نفسه دون أن يموت من الخوف؟

استغرق المشي إلى النهر الجاف ساعتين. لم يعد ريان إلى هناك منذ أن كان في الثانية عشرة. حينها، كان النهر لا يزال نهراً. ماؤه عذب، وضفافه خضراء، وكانت أمه تغسل الثياب على حجارته الكبيرة، تغني بصوت لا يشبه أحداً. النهر الآن ليس سوى شق طويل في الأرض، كجحر أفعى عملاقة ماتت منذ زمن. لا ماء، لا خضرة، لا أغاني.

جلس ريان على حجر كان يشبه ذلك الذي كانت تجلس عليه أمه. أغمض عينيه.

فتحها على مشهد ليس موجوداً. رأى نفسه طفلاً في السابعة، يركض حافياً على ضفة النهر، ويداه ممدودتان كأنه يطير. ورأى أمه ترفع رأسها من بين الغسيل، تبتسم له، ثم تعود للغناء. غناء لا يتذكر كلماته، لكنه يتذكر أنه كان يجعل النهر يضحك.

ثم رأى والده. والده الذي كان يظهر فجأة كأنه يخرج من لا شيء. رجل طويل، نحيل، بعينين زرقاوين لا تتناسبان مع بشرة صحراوية. كان والده يحمله على كتفيه، ويمشي به على طول النهر، ويقول له: "هذا النهر يا ريان هو سر العائلة. إنه يبدأ من عين في جبل لا يراه أحد، وينتهي في بحر لا يوجد على الخرائط. نحن أولاد النهر. وطالما النهر يجري، نحن لا نموت."

لكن النهر جف. وجف معه شيء في عروق ريان. شيء لم يعد يجري منذ ذلك الحين.

فتح عينيه. كانت الشمس قد مالت إلى الغروب. صرخ. صرخة طويلة، مدوية، كأنها تخرج من قاع النهر الجاف نفسه. صرخة لا تعرف إن كانت من حزن أم غضب أم فرح. صرخة بلا سبب وبكل الأسباب.

وعندما سكت، سمع شيئاً. همهمة خفيفة تحت قدميه. اهتزاز صغير في الأرض.

نظر إلى أسفل. بين الحجارة الجافة، كان هناك... قطرة ماء. قطرة واحدة. تتلألأ تحت ضوء الشمس المغرب.

حفر بأصابعه حول القطرة. التراب رطب. رطب بشكل لا يمكن تفسيره. تابع الحفر. أصبحت الحفرة أكبر. والماء يبدأ بالتجمع. قليلاً. ببطء. كأن النهر كان نائماً، وكأن صرخة ريان أيقظته.

جثا على ركبتيه. غرف حفنة من الماء البارد. شرب. طعمه لم يكن كطعم الماء العادي. كان طعمه كطعم أول مرة. كطعم لحظة قبل أن يبدأ الزمن. كطعم شيء كان مفقوداً منذ الأزل وعاد فجأة.

نهض. نظر نحو السماء التي بدأت تتحول إلى لون الخزامى. ثم نظر نحو البلدة البعيدة. نحو بيته الذي لا يشيخ. نحو الباب في قبو روحه.

"سأفتحك الليلة،" همس. "سأفتحك ولو مات ريان ألف مرة."

وفي تلك اللحظة، هبت رياح دافئة من اتجاه لا يمكن تحديده. رياح تحمل رائحة النهر القديم، ورائحة أمه تغسل الثياب، ورائحة والده الذي كان يحمله على كتفيه. رياح التيه. الرياح التي تضل الإنسان عن طريقه القديم لتضعه على طريق لم يمشِ فيه أحد قط.

بدأ ريان بالسير عائداً. لم يعد يخاف. كان خائفاً فقط من الأشياء التي يعرفها. وأما المجهول... فالمجهول كان أشبه بحضن أمه في ليلة شتاء. مخيف ودافئ في آن.

يُتبع...