رجل يُقال أنه لم يولد أبداً لكنه قد ولدبقلم حداد النهار فصل 1

ظلال الذاكرة الأولى

4 دقائق قراءة · 665 كلمة

لم يكن ريان يتذكر اليوم الذي توقف فيه قلبه عن النبض لأول مرة. لكنه كان يتذكر جيداً رائحة المطر على التراب الجاف، تلك الرائحة التي كانت أمه تقول إنها "تنهيدة الأرض حين تتذكر أنها كانت خصبة". كان في السابعة حين فهم أن الناس لا يموتون جميعاً بالطريقة نفسها. بعضهم يموت في صمت، كالنجوم التي تطفئ نفسها دون أن يشعر أحد بغياب ضوئها.

الآن، بعد أربعين عاماً، يقف ريان أمام نافذة غرفته المطلّة على البحر المتوسط. البحر الذي لم يره قط. البحر الذي كان أبوه يصفه له كل ليلة قبل النوم، بصوت خفيض كأنه يخبره سراً محرّماً: "البحر يا بني، هو أطول صرخة في الكون. إنه يئن منذ أن خُلقت الدنيا، لأنه يتذكر أنه كان يوماً قلب الأرض قبل أن تُقتلع منه."

تتجعد جبهة ريان وهو يحدّق في الأفق الوهمي. ليس هناك بحر. هناك فقط جدار من الغبار الأصفر يتصاعد من صحراء لا تنتهي. لكن ريان يرى البحر. يراه بعينين لم تذرف دمعاً منذ ثلاثين عاماً. يراه بالطريقة التي يرى بها الأعمى النور: كحلم ثقيل على الجفون.

"أتعلم يا أبي؟" يهمس ريان للجدار. "لقد أصبحت البحر. أئن كل ليلة دون أن يتوقف. لكن لا أحد يسمعني. لا أحد يتذكر أنني كنت يوماً قلباً."

الساعة تشير إلى الثالثة فجراً. الوقت المفضل لريان. الوقت الذي تتوقف فيه حتى الحشرات عن الصراخ، وتخلع فيه المدينة ثيابها الزائفة وتكشف عن جروحها القديمة. في هذا الوقت، يخرج ريان من منزله الذي لا يشيخ، ويمشي في الشوارع الخالية حافياً. الحذاء عنده اختراع للجياع، كما يقول. الجياع فقط من يحتاجون إلى حماية أقدامهم، لأنهم يبحثون دائماً عن شيء لا يجدونه.

في هذا الصباح البارد من شتاء عام 1988، سيفعل ريان شيئاً مختلفاً. سيفتح الباب القديم في قبو المنزل. الباب الذي قال عنه جده قبل موته: "لا تفتحه أبداً. خلفه أنت الذي لم تولد بعد."

ريان يضحك الآن وهو يتذكر كلمات جده. رجل لم يقرأ كتاباً في حياته، لكنه كان يحفظ الأسرار كما تحفظ الجبال الزلازل في صمتها. جده الذي مات وهو يردد اسماً واحداً: "ليلى... ليلى..." ليلى التي لم تكن جدته قط. ليلى التي كانت طيفاً في عينيه، امرأة تركها خلف الجدار العظيم حين كان شاباً، وهرب مع حلم أن يبني ابناً ينسيه إياها. لكن الأبناء لا ينسون شيئاً. الأبناء هم ذاكرة آبائهم التي تتجول على قدمين.

ينزل ريان الدرجات الحجرية. كل خطوة تئن تحته كأنها تعرف ما سيحدث. في الطابق السفلي، حيث الظلام كثيف كالعسل الفاسد، يقف الباب. ليس كبيراً، ليس صغيراً. خشبه من شجرة لم يرها ريان قط. مقبضه من عظام حيوان لا يعرفه.

يتقدم ريان نحوه. يده ترتجف. للمرة الأولى منذ ثلاثين عاماً، يشعر بشيء يشبه الخوف. لكنه ليس خوفاً. إنه ذلك الإحساس الغريب الذي يسبق الولادة. كما لو أن جسده كله أصبح رأس طفل ينزلق من رحم لا يريد تركه.

يلمس المقبض. بارد. أبرد من موتة أمه حين وجدها في المطبخ صباح العيد، ويدها لا تزال تمسك بملعقة خشبية، تبتسم في وجه الفرن الذي لم يعد ساخناً. يدير المقبض ببطء.

الباب لا يفتح. يئن فقط. يئن كبحر لم يره أحد قط.

وهناك، خلف الباب، يسمع ريان صوتاً. صوتاً لا يمكن أن يكون إلا صوت نفسه. لكنه ليس صوته الحالي. إنه صوت طفل. طفل يبكي ويقول:

"أبي... لماذا تركتني هناك؟ لماذا لم تأتِ لتحضني حين كان الظلام يبتلع كل شيء؟"

يسقط ريان على ركبتيه. دموع. دموع لم تذرف منذ ثلاثين عاماً تتدحرج الآن على خديه كأنها كانت تنتظر هذا الباب طوال الوقت.

"لأنني يا بني،" يهمس ريان للباب، "كنت أعتقد أن البكاء علامة ضعف. لم أعلم أن البكاء هو الطريقة الوحيدة التي يجيد بها القلب أن يقول: أنا ما زلت حياً."

في تلك اللحظة، لا يعلم ريان أن فتح هذا الباب سيكلفه حياته التي عاشها كل هذه السنوات. لا يعلم أن خلفه لا ينتظره طيفه الطفولي فقط، بل كل الأشياء التي هرب منها: أمه التي ماتت باكرة، أبوه الذي اختفى في إحدى حروب الصحراء، ليلى التي أحبها ذات صيف ولم يجرؤ على لمس يدها، والنهر الذي جف وهو ينظر إليه عاجزاً عن إنقاذه.

الباب سيفتح. لكن ليس اليوم.

اليوم، سيبكي ريان لأول مرة منذ ثلاثة عقود. وسيكون هذا البكاء هو أول خطوة نحو موت رجل وولادة آخر. رجل لم يولد قط... لكنه كان دائماً هناك، ينتظر دوره ليحكي حكايته.

يُتبع...