الأرض والعِزّةبقلم صدى القارئ فصل 1

تراب لا يُباع

دقيقتان قراءة · 260 كلمة

لم يكن أبي يتحدث كثيرًا…

لكن عندما يذكر الأرض، كان صوته يتغيّر.

كأن الكلمات تخرج من صدره لا من فمه.

كبرت وأنا أسمعه يقول:

"الأرض مش تراب يا ابني… الأرض عرض… وإذا ضاعت الأرض، بضيع الإنسان."

لم أفهم معنى كلامه وأنا صغير.

كنت أظنها مجرد قطعة مزروعة بالزيتون، نذهب إليها كل موسم، نقطف، نضحك، ونعود.

لكن في ذلك اليوم…

فهمت.

كان صباحًا باردًا.

الشمس لم تكتمل بعد، والندى ما زال على أوراق الزيتون.

كنت أساعد أبي في ترتيب الأدوات، حين جاءت سيارة بيضاء توقفت عند طرف الحقل.

نزل منها ثلاثة رجال… بملابس رسمية، ووجوه بلا ملامح.

أحدهم قال بصوت بارد:

"هذه الأرض أصبحت ضمن المخطط الجديد. أمامكم أسبوع لإخلائها."

ضحك أبي.

ضحكة قصيرة… لكنها موجعة.

قال:

"هاي الأرض قبل ما تكونوا إنتو موجودين هون."

ردّ الرجل:

"معك أوراق تثبت؟"

مدّ أبي يده إلى جيبه، أخرج ورقة قديمة، صفراء من الزمن.

قال:

"هاي مش ورقة… هاي تاريخ."

الرجل نظر إليها بلا اهتمام.

ثم قال:

"الأمر رسمي. أسبوع."

وغادروا.

ذلك اليوم لم يتكلم أبي كثيرًا.

جلس تحت شجرة الزيتون الكبيرة… نفس الشجرة التي زرعها جدي بيده.

وضع كفه على التراب… وكأنه يعتذر منه.

سألته:

"شو رح نعمل؟"

نظر إليّ لأول مرة بعينين لم أرهما من قبل.

لم تكن عيون رجل خائف…

كانت عيون رجل مستعد.

قال:

"الأرض ما بتترك صاحبها… بس بدها رجال."

في الليل، اجتمع أهل القرية.

لم يكن الحديث عن محصول… ولا عن موسم.

كان الحديث عن البقاء.

قال أحدهم:

"إذا سكّت اليوم… بكرا بيجوا على بيتك."

قال آخر:

"بدهم الأرض فاضية… بدون ناس."

وأبي كان صامتًا.

ثم وقف.

قال جملة واحدة:

"إحنا مش طلاب مشكلة… بس إحنا أصحاب حق."