البيت يستيقظ
4 دقائق قراءة · 657 كلمة
الليل في القرية كان أثقل من أي وقت مضى. سليم لم يستطع النوم، رغم إرهاقه بعد السفر الطويل والصعود والنزول في البيت القديم. كل غرفة تفحصها وكل زاوية نظر إليها في النهار كانت تزداد وضوحًا في الظلام، لكن ليس بالضوء، بل في صمتٍ يصرخ داخليًا.
جلس على السرير الممزق في غرفته القديمة، ينظر إلى الحائط المقابل، حيث يلمع ضوء القمر من النافذة المكسورة. الظلال كانت تتحرك ببطء، وكأنها تسحب الهواء من الغرفة وتجعله ثقيلًا. حاول أن يقنع نفسه أنها مجرد أوهام بصرية، لكن صدى خطواتٍ خفيفة على الأرضية الخشبية، لا تأتي من مكانه، جعل قلبه يتوقف للحظة.
في المطبخ، سمع صوت صرير الباب القديم، كما لو أن أحدًا يفتح الخزانة التي كانت دائمًا مغلقة. ركض نحو المطبخ، يلتقط أي سبب منطقي، لكنه لم يجد شيئًا. كل شيء كما تركه، الأكواب على الطاولة، الغبار على الرفوف، صمت مميت. لكنه شعر بأن البيت يراقبه.
تجول في الصالون، كل خطوة تصدر صريرًا مختلفًا، أصواته تتداخل مع صدى الماضي. صورة والديه على الحائط البالي بدت وكأنها تتحرك، ابتسامة الأم باردة، عين الأب مليئة بالأسى. ثم، فجأة، سمع صوت طفل يضحك من الطابق العلوي، خافت، مألوف… ياسين؟ قلبه بدأ يدق بعنف، صوته يهتف في رأسه: “هل هذا حقيقي أم هلوسة؟”
صعد سليم الدرج ببطء، كل خطوة تثقل على قلبه. عند الوصول للطابق العلوي، رأى غرفته القديمة كما تركها، لكن هناك شيء جديد. لعبة صغيرة مكسورة، لم يتذكرها من قبل، في منتصف الغرفة. اقترب منها، رفعها بيدين مترددتين، وإذا بها تهتز قليلاً، كما لو أن أحدًا يلمسها من بعيد. ارتجف، ثم شعر بوخز في رأسه، ذكريات الطفولة بدأت تتسرب بلا توقف: صراخ ياسين في القبو، صمت الأم، وأصوات اللعب المخنوقة.
توجه إلى النافذة، ينظر إلى الفناء الخلفي حيث اعتاد اللعب، لكن الفناء بدا مختلفًا. ظل طفل صغير يركض بين الأشجار، يختفي ويظهر في نفس الوقت. حاول سليم أن يصرخ، لكنه لم يجد صوتًا، وكأن الهواء نفسه يمنعه من التعبير. العقل بدأ يتلاشى، ويترك مكانًا للرعب الصامت، للرعب الذي ليس له بداية أو نهاية.
فجأة، سمع صوتًا خلفه، أقوى من أي شيء سمعه قبل ذلك: خطوات تتسارع في الممر، تتوقف عند باب غرفته. قلبه يكاد يخرج من صدره، لكنه لم يحرك ساكنًا، كل شيء حوله صامت، كل شيء ما عدا صوته الداخلي الذي يصرخ: “إنه هنا… إنه يحدث مرة أخرى…”
اقترب من الباب ببطء، يمد يده، كل عضلة في جسده متوترة. فتح الباب، ولم يجد شيئًا. فقط الظلام، والثقوب في الجدران التي تعكس ضوء القمر بشكل غريب، وكأن البيت يتنفس، يراقبه، يتلاعب به. بدأ يشعر بأن كل غرفة تختبئ فيها ذكريات مختلطة، غير مرتبة، تهاجمه بلا هوادة.
جلس على الدرج، يحاول تنظيم أفكاره، لكن كل شيء بدأ ينهار داخله: أصوات صراخ الطفولة، دموع الأم، ضحكات ياسين، صمت البيت الطويل. لم يكن مجرد صمت، بل شعور بالذنب، بالمسؤولية، بالخوف من الحقيقة التي حاول نسيانها. البيت لم ينسه، ولم يترك له خيارًا سوى مواجهة ما حاول دفنه منذ سنوات.
بدأ يكتب على دفتر صغير أحضره معه، كل ما يتذكره، كل شيء يراه ويشعر به. الكتابة لم تكن لتوثيق الماضي، بل لمحاولة البقاء عاقلًا أمام كل ما يحدث. لكنه شعر بأن الكلمات تتوقف عند حد معين، وأن البيت لا يترك أي شيء يهرب منه، حتى الذكريات نفسها أصبحت حيّة، تتحرك، تتحدث، تلمسه، وتجعل قلبه يهتز بين الواقع والهلوسة.
الساعة تجاوزت منتصف الليل، وكل شيء في البيت أصبح أقوى، أكثر وضوحًا، أكثر تهديدًا. أصوات خافتة، خطوات، ضحكات، صراخ، صمت… كل ذلك امتزج في ذهنه، وعقله يرفض التصديق. حاول الخروج من الغرفة، لكن الباب بدا بعيدًا، كل خطوة تقربه من الماضي وتبعده عن الحاضر.
جلس في زاوية الغرفة، يضم نفسه، كل جزء من جسده يصرخ، لكنه لم يحرك ساكنًا. شعور بالرهبة، وكأن البيت يقترب أكثر فأكثر، ليس بالخشب أو الجدران، بل بالعقل، بالذكريات، بالضمير. وبدأ يسمع الصوت: صوت ياسين، صوت الأم، وصوت نفسه، كلها تتداخل، تقول له: “لم تنسَ، ولن تنسَ أبدًا…”
سليم أغلق عينيه، يحاول أن يهدأ، لكنه يعرف داخله أن هذا مجرد البداية. البيت استيقظ، والذكريات التي حاول دفنها كلها خرجت لتواجهه، لتختبر صموده، لتجعله يعرف أنه لا يمكن الهروب، وأن الرعب الحقيقي ليس في الظلال، بل في العقل، في الذكريات، في الحقيقة التي تنتظر أن تُقال.