العودة
4 دقائق قراءة · 762 كلمة
السماء كانت رمادية ثقيلة، وكأنها تحتفظ بأسرار المدينة كلها قبل أن تسمح بأي ضوء. سليم جلس على المقعد الخلفي للسيارة، يتأمل الطريق الترابي الذي لم يتغير منذ سنوات. الأشجار على جانبي الطريق تميل برفق وكأنها تحاول إيقافه، أو ربما ترشده. بعد خمسة عشر عامًا من الهروب، كان عائدًا إلى المكان الذي ترك فيه طفولته، وذكرياته، وكل شيء كان يهرب منه بصمت.
لم يكن الأمر مجرد زيارة عابرة لبيت والدته بعد وفاتها، بل كان شعورًا بالضرورة، بأن شيئًا في البيت لم يكتمل، وأن صمت السنوات الطويلة لم يمحُ كل شيء. توقف عند المدخل الترابي للقرية. المنازل القديمة المحاذية للطريق كانت مظلمة، بعضها متهدم، والنوافذ متكسرة كما لو أن أحدًا تركها منذ عقود. منزل والدته، في آخر الزقاق، بدا أصغر مما تذكره، لكنه أكبر في ثقله النفسي، أكبر بما يكفي ليجعل قلبه يتوقف للحظة.
فتح باب السيارة ببطء، مشيًا على الأرض الترابية الممتلئة بأوراق الخريف اليابسة، شعر بسكون غريب يحيط به، كأن المدينة كلها تنتظر أن يخطو خطوة نحو البيت. كانت رائحة التراب الممزوجة بعفن الخشب القديم تختلط في أنفه، تذكّره بكل صيفٍ أمضاه هنا، وكل الشتاء الذي كان فيه مُجبرًا على مواجهة نفسه قبل أي شخص آخر.
عند وصوله إلى الباب الأمامي للبيت، توقف. صرير الباب الخشبي عند لمس يده لم يكن مجرد صوت خشب قديم، بل شعور بالبيت نفسه يراقبه، يحاول أن يقرأ مكنون قلبه. أدار المفتاح ببطء، ودخل. الداخل لم يكن مجرد غرفة، بل معبرًا إلى ذكرياتٍ محشورة في زوايا العقل. الرائحة المعتقة للخشب، لمسات الأثاث المهترئ، كل شيء بدا حيًا، يراقبه، يهمس باسمه.
خطواته الأولى داخل البيت كانت مترددة، وكل خطوة تخطوها أصوات الخشب القديم تحذره من شيء لا يعرفه. في المطبخ، الضوء الخافت من نافذة مشوهة ألقى ظلالًا على الجدران. الظلال تشبه وجوهًا، أطفالًا، ربما أخاه الصغير، ياسين، يختبئ في زاوية ما. قلبه بدأ يدق أسرع، لكنه استمر في التقدم، يحاول أن يثبت لنفسه أن البيت مجرد بيت، لا أكثر.
وصل إلى غرفة المعيشة، الغرفة التي اعتاد عليها في طفولته. كانت الأثاث مغطى بالغبار، الستائر ممزقة، والطاولة لا تزال تحمل آثار فنجان قهوة قديم. جلس على الأريكة الممزقة، وبدأ يتذكر، واحدة تلو الأخرى، اللحظات التي حاول نسيانها. صوت الضحكات، الشجار مع ياسين على لعبة، دموع الأم التي لم يكن يفهمها حينها، والصمت الذي أصبح كجدار بينه وبين العالم.
وفجأة، سمع صوتًا خلفه. كان خفيفًا، كخطوات طفل صغير على الأرضية الخشبية. التفت بسرعة، ولم يجد أحدًا. مجرد صمت ثقيل، لكن صمته كان صارخًا. مرة أخرى، شعر وكأن البيت نفسه يتنفس، يراقبه، ويخبره أن لا مهرب. هذا لم يكن مجرد شعور بالغرفة، بل شعور في أعمق شيء في داخله، شيء يعرف أنه لم يغادره حتى بعد كل تلك السنوات.
سليم سار إلى الطابق العلوي، كل خطوة تصدر صريرًا مختلفًا، وكأن البيت يهمس باسمه. في الغرفة التي كانت غرفته ذات يوم، رأى سريره القديم، الطاولة التي كان يكتب عليها، اللعبة المكسورة التي لم يلمسها منذ الطفولة. لكن هناك شيء آخر، شيء لم يتذكره أبدًا: ظل خافت على الحائط، يتحرك ببطء، كأنه يريد أن يراه. قلبه بدأ يرتجف، عقله يتجادل بين الحقيقة والهلوسة، لكنه كان يعرف داخله أن شيئًا ما، ربما ذكرى قديمة أو شعور مكبوت، يحاول أن يخرجه من صمته الطويل.
جلس على الأرض، محاولًا استعادة التنفس، وأخذ يفكر: هل ما يراه حقيقي، أم أن عقله بدأ ينكسر أمام عودته إلى هذا البيت؟ لكن قبل أن يجيب على نفسه، سمع الباب الأمامي يُفتح بقوة في الطابق السفلي، وكأن أحدًا آخر دخل. لكن البيت كان مهجورًا، والجيران بعيدون، ولا أحد هنا… إلا هو والبيت، وصمته الذي يصرخ أكثر من أي صوت.
وقف، توجه ببطء نحو الدرج، وكل خطوة ثقيلة، وكل درجة خشبية تصرخ تحت وزنه. وصل إلى الطابق السفلي، المطبخ والصالون خالٍ كما تركهما، لكن هناك شيء تغير. الهواء كان أكثر ثقلًا، الظلال أكثر وضوحًا، والأصوات… أصوات الماضي تعود لتطارده. لعبة صغيرة تقع على الأرض من تلقاء نفسها، تذكره بياسين. ضحك الطفل، صراخه، دموعه… كلها تلتف حوله الآن، تختلط مع صمت البيت المطبق.
جلس على الأرض، شعر بالبرد يتسرب إليه، لم يكن مجرد برد الهواء، بل برد شيء أعمق، شيء في ذاكرته. فجأة، ظهرت صورة في ذهنه: ياسين في القبو، يسقط، صمت الأم، صوته الذي لم يُسمع. كل ما حاول نسيانه يعود إليه دفعة واحدة، أقوى من أي خوف، أقوى من أي صراخ. البيت لا ينسى، والبيت لم يترك شيئًا يختبئ خلفه.
رفع يده لمس وجهه، شعر بالدموع، لأول مرة منذ سنوات طويلة. شعور بالذنب، بالخوف، بالندم… وكلها امتزجت مع الرعب الذي يحيط به. لم يكن هناك شبح حقيقي، لكن الرعب لم يكن بحاجة إلى شبح. العقل، الذكريات، الصمت، كلها كافية لتجعل البيت حيًا، وتجعل الإنسان عاجزًا أمام نفسه.
وسليم جلس هناك طويلاً، يسمع أصوات البيت، يشم رائحته، يشعر بذكرياته تتسلل إليه. أدرك أن عودته لم تكن اختيارًا، بل دعوة. دعوة لمواجهة الحقيقة، لمواجهة الماضي، لمواجهة المنزل الذي لم ينسه، ولن ينساه أبدًا.