"وردٌ على حافة الألم"بقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 1

"حين ينكسر الصمت"

3 دقائق قراءة · 480 كلمة

لم تكن كما كانت من قبل.

الصمت لم يعد مجرد لحظات هدوء… بل أصبح موطنها.

في المدرسة، كانت تجلس وحدها، تنظر إلى الكرسي الفارغ بجانبها…

كرسي " صديقتها"

الكل اعتاد على غيابها…

إلا هي.

في تلك الليلة، أمسكت بالوردة التي وُضعت على مكان صديقتها

لم تأخذ شيئًا غيرها.

همست:

"سامحيني… ما قدرت أودعك."

وانهمرت دموعها، بصمتٍ أشد من أي صراخ.

لم تكن كما كانت من قبل…

الصمت الذي كان يومًا راحة، أصبح الآن ثِقلاً يجثم على صدرها.

حتى الأصوات من حولها—ضحكات الطالبات، شرح المعلمة، همسات الزوايا—كلها بدت بعيدة… كأنها تحدث في عالمٍ آخر لا تنتمي إليه.

جلست في مقعدها، وعيناها لا تفارقان الكرسي الفارغ بجانبها.

ذلك الكرسي…

الذي لم يكن فارغًا يومًا.

كان مكان " صديقتها"

كانت صديقتها تملأه بالحياة… بالضحك، بالكلام المستمر، بالمشاكسات الصغيرة التي كانت تزعجها وتُضحكها في الوقت نفسه.

أما الآن…

فلا شيء.

مدّت يدها ببطء نحو الطاولة، ومررت أصابعها على الحافة، وكأنها تبحث عن أثرٍ ما… عن بقايا وجودٍ لم يعد موجودًا.

همست دون وعي:

"لو كنتِ هنا… كان كل شيء بيكون أسهل."

لكن لا أحد أجاب.

عند انتهاء الحصة، خرجت الطالبات بسرعة، يتحدثن ويضحكن…

أما هي فبقيت جالسة.

لم تعد تحب الخروج مع أحد.

كل الطرق كانت تقودها إلى نفس الفراغ.

بعد دقائق، نهضت أخيرًا، وسارت ببطء في الممرات.

الجدران بدت أطول، والخطوات أثقل، وكأن المكان نفسه تغيّر.

عندما وصلت إلى بوابة المدرسة، توقفت.

ترددت…

ثم سلكت طريقًا لم تمشِ فيه منذ أيام.

كان الطريق هادئًا…

الهواء بارد قليلًا، والشمس تميل للغروب.

خطت خطوة بعد خطوة، حتى وصلت.

نفس المكان الذي كانين يقعدين عليه

تجمدت في مكانها للحظة، وكأن قدميها ترفضان التقدم…

لكن قلبها دفعها.

سارت بين الاشجار حتى توقفت أمام اسمٍ محفور…

اسم صديقتها.

ارتجفت أنفاسها.

ركعت ببطء، ونظرت إلى الاسم طويلًا…

كأنها تحاول أن تستوعب الحقيقة من جديد.

"هذا مو حقيقي…" همست.

"أكيد مو حقيقي…"

لكن الصمت كان الجواب الوحيد.

وضعت يدها المرتجفة على التراب، ثم أخرجت من حقيبتها وردة حمراء.

كانت نفس الوردة التي وضعتها يوم اهدتها

لم تستطع تركها هناك.

قالت بصوتٍ مكسور:

"تذكرين يوم قلتي لي ما أزعل؟"

ابتسمت ابتسامة باهتة وسط دموعها:

"أنا زعلانة… مرة."

سقطت دمعة على التراب.

ثم أخرى…

حتى لم تعد تستطيع التوقف.

"ليش رحتي؟"

خرج السؤال أخيرًا… بصوتٍ مرتجف.

"كنتِ تقولين إننا بنكبر سوا… إننا بنسافر… إننا…"

انقطع صوتها.

شدّت على الوردة بقوة، حتى اهتزت يداها.

"أنا ما ودعتك…"

"ما قلت لك لا تروحين…"

"ما كنت أعرف إن هذا آخر يوم…"

أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول إيقاف كل شيء بداخلها.

مرّ وقت طويل…

أو ربما لحظات… لم تعد تعرف.

لكن عندما فتحت عينيها، كان الغروب قد بدأ.

نظرت إلى الوردة بين يديها…

ثم إلى المكان.

ترددت…

لكنها لم تتركها.

احتضنتها بدلًا من ذلك، وكأنها الشيء الوحيد الذي تبقّى لها.

وقفت ببطء، ومسحت دموعها بظهر يدها الملفوفة بالضماد.

نظرت إلى الاسم مرة أخيرة، وهمست:

"بأجي لك… بس مو اليوم."

ثم استدارت، وخطت خطواتها الأولى بعيدًا…

لكن هذه المرة، لم يكن الصمت فقط هو الذي يرافقها—

بل ذكرى… وألم… ووردة لا تزال تنبض بشيءٍ لم ينتهِ بعد.