الفصل 2: اعترافات غيرمتعلمة
14 دقيقة قراءة · 2,614 كلمة
الفصل الثاني: اعترافات غير متعلمة
بقي جايل جاثياً على ركبتيه، والصدى يتلاشى ببطء كالمدّ ينسحب من شاطئ. الهواء كان لا يزال ثقيلاً، يحمل بقايا الأسماء التي نطقتها الجدران. رفع رأسه، ورأى ثيو واقفاً في الزاوية المقابلة، ظهره ملتصق بالجدار، عيناه مغلقتان، وشفتاه تتحركان بصمت.
«لا.» همس ثيو، والكلمة خرجت كزفير. «ليس الآن. ليس هكذا.»
جايل لم يتحرك. رأى أصابع ثيو تتشنج على السكين التي لا يزال يمسكها، تفتح وتغلق كخياشيم سمكة خارج الماء. ثم سمعها: نغمة واحدة، عالية، نقيّة، كقطرة ماء تسقط على زجاج. خرجت من الجدار خلف ثيو، لا من فمه.
ثيو فتح عينيه فجأة. أدار رأسه نحو الصوت، وكان وجهه شاحباً، كمن رأى وجهاً من الموتى في المرآة. النغمة تكررت، أطول قليلاً، ثم تبعتها نغمة أخرى، ناقصة، متقطعة كأن أحدهم يقطع خيطاً بمقص.
«أغلقوها.» قال ثيو، وصوته ارتفع. «أغلقوا هذا الصوت!»
سكارليت رفعت رأسها من الأرض، نظرت إليه. «ماذا؟»
«اللحن. اللحن الذي... لم يكتمل.»
النغمات بدأت تتسارع. ثلاث نغمات، ثم أربع، كلها ناقصة، تبحث عن ربع مفقود. ثيو ضرب جداره بقبضته، مرة، مرتين. السكين سقطت من يده، ارتطمت بالأرض بصوت حاد. لكن النغمات لم تتوقف. بل تكاثفت، صارت كجوقة من أصوات متعددة، كلها تعزف نفس المقطع الناقص، تكرره بجنون.
«إنها الأغنية التي سرقتها.» قال ثيو، وجسده بدأ يرتجف. «من ذلك الرجل. في المحطة. كان يعزفها على كمانه، ولم يكملها. أخذتها. لم أسمعها كاملة قط.»
جايل رأى شيئاً يتشكل في الهواء أمام ثيو. ليس شبحاً، بل تموجاً، كحرارة ترتفع من أسفلت في الصيف. التموج اتخذ شكلاً: كتفان، ذراعان، يد تمسك قوس كمان. لم يكن هناك جسد، فقط حركة تعزف لحناً لا يُسمع.
ثيو صرخ.
لم يكن صراخ خوف، بل صراخ ألم، كأن الصوت مزق أحباله الصوتية. الصدى التقط الصرخة، وحوّلها إلى نغمة، دمجها مع النغمات الناقصة. الفضاء الدائري امتلأ بالتنافر: لحن مشوه، كأن كل نوتة مكسورة، كل فاصل زمني ممزق.
«أوقفه!» صاحت إيسلا، ويداها تغطيان أذنيها. «لا أستطيع تحمله!»
لكن ثيو لم يستطع. كان يحدق في التموج، وعيناه تدمعان. جايل رأى الدموع تسيل على خدّيه، لكنها ليست دموع حزن. كانت دموع اعتراف، كأن الجدران لم تكتفِ بسماع السر، بل أرادت رؤيته يتقطر من جلده.
«ماذا حدث في المحطة؟» سأل جايل، وصوته كان هادئاً، يكاد يهمس.
ثيو أدار رأسه نحوه. للحظة، بدا وكأنه لا يراه، أو لا يريد رؤيته. ثم تنفس بعمق، وقال بصوت مبحوح: «عزف لي أغنية. قال إنها الوحيدة التي كتبها، وإنه لم يكملها بعد. كنت سكيّراً. كنت دائماً سكيّراً. دفعته أرضاً، وأخذت الكمان. تركته ينزف على الرصيف، وهربت.»
النغمات في الجدار تغيرت. أصبحت أبطأ، أثقل، كأنها تبكي. التموج تحرك نحو ثيو، ليس ليهاجمه، بل ليقترب، ليلامسه. ثيو تراجع، لكن الجدار خلفه منعه. التموج لامس صدره، وتجمد.
«أسمع الربع الناقص.» همس ثيو، وصوته اهتز. «أسمعه الآن. لكنه... لكنه لا يكتمل. ينقطع كل مرة يوشك على النهاية.»
«لأنه لم ينتهِ من عزفه.» قالت سكارليت من خلف جايل، وصوتها كان خافتاً. «الرجل مات قبل أن يكملها. واللحن الذي سرقته هو كل ما تبقى. ربع ناقص. إلى الأبد.»
ثيو أغمض عينيه، ورأسه مال إلى الخلف، كمن يستسلم لتيار. من فمه خرج صوت، ليس كلمة، بل نغمة، نفس النغمة الأولى التي سمعوها، لكنها هذه المرة كاملة، نقيّة، حزينة.
الجدار ردّدها. لكنه أضاف شيئاً: سعالاً جافاً، صوت جسد يسقط على الأرض، صوت خطوات تهرب. ثيو فتح عينيه، وكانتا حمراوين، جافتين.
«هذا كل ما سأسمعه.» قال. «حتى أموت هنا.»
جايل وقف ببطء. ركبتاه تؤلمانه، لكنه تجاهل الألم. مشى نحو ثيو، خطوة، اثنتين. التموج كان لا يزال هناك، يترنح بينهما. جايل مدّ يده، وأشار إلى السكين على الأرض.
«التقطها.» قال. «لا لتهاجم بها. فقط لتذكر أنك لا تزال تملك اختياراً.»
نظر ثيو إلى السكين، ثم إلى جايل. لم يقل شيئاً، لكنه انحنى، والتقطها. أصابعه التفّت حول المقبض، وفي تلك اللحظة، النغمات في الجدار توقفت. التموج تلاشى، تاركاً فقط رائحة خفيفة من زيت الكمان والغبار.
«ليست لعبة.» همس جايل، وكأنه يتحدث إلى نفسه. «إنها مرآة. وكلما نظرنا فيها، رأينا وجوهنا التي هربنا منها.»
كايد لم يسمع كلمات جايل الأخيرة. كان قد انفصل عن المجموعة قبل دقائق، عندما بدأت الممرات تتشعب أمامه كشرايين مقطوعة، كل واحد يقوده إلى غرفة أصغر، أظلم، أكثر انغلاقاً. الآن هو واقف أمام باب خشبي ثقيل، مكتوب عليه رقم الخزنة التي كان يحرسها ذات ليلة.
الباب لم يكن موجوداً قبل لحظة. تشكل من الجدار الأيمن، دون صوت، دون غبار، كأن المتاهة قررت أن تريه الشيء الوحيد الذي يريد نسيانه أكثر من أي شيء آخر. يد كايد ارتفعت، لامست مقبض الباب البارد، ثم انسحبت كأن المعدن أحرقها.
من خلف الباب، سمع صوتاً: رنين هاتف، ثم خطوات سريعة، ثم صوت زجاج يتكسر. كان يعرف هذه الأصوات. كان يحفظها بتفاصيلها الدقيقة، كمن يحفظ أغنية لا يريد سماعها أبداً.
«إنه ليس باباً حقيقياً.» قال كايد بصوت عالٍ، كأنه يحاول إقناع الجدران. «إنه مجرد... ذكرى.»
لكن الجدران لم تجبه. بدلاً من ذلك، الباب فتح من تلقاء نفسه، كاشفاً عن غرفة صغيرة، مكتب، كرسي دوار، كاميرات مراقبة مغلقة. الغرفة التي كان يجلس فيها كل ليلة، يحدق في شاشات سوداء، يدخن سيجارة بعد أخرى، ويتجاهل صوت الإنذار الذي لم يسمعه أحد غيره.
كايد تراجع خطوة. لكن شيئاً ما منعه من الابتعاد. ليس خوفاً، بل فضولاً مريضاً، حاجة لرؤية الخطأ مرة أخرى، كمن يلمس جرحاً قديماً ليتأكد أنه لا يزال ينزف.
دخل.
الغرفة كانت تماماً كما تذكرها. نفس رائحة الدخان القديم، نفس الإضاءة الفلورية المتقطعة، نفس الكومبيوتر الذي كانت شاشته تومض برسالة خطأ لم يقرأها قط. على المكتب، كان هناك هاتف أسود، سماعته مرفوعة، تنبعث منها نغمة اتصال مستمرة.
«كان بإمكاني أن أرد.» همس كايد، وصوته كان أجش كمن لم يتكلم لأيام. «كان بإمكاني أن أرفع السماعة، وأقول لهم إن هناك من يحاول اقتحام الخزنة. لكنني لم أفعل.»
من خلفه، سمع صوت الباب يغلق. لم يغلقه أحد، بل انغلق ببطء، كأنه قرر بنفسه أن الوقت لم يحن بعد للمغادرة. كايد لم يستدر. كان يحدق في شاشة الكومبيوتر، حيث بدأت الصور تظهر: رجل يرتدي قناعاً، يكسر زجاج الخزنة، يأخذ الأموال، يهرب. نفس الفيديو الذي شاهده في التحقيق، لكنه هذه المرة لم ينتهِ. استمر الرجل في الجري، والممرات التي ركض فيها تحولت إلى ممرات المتاهة، والجدران كانت تتنفس، تتحرك، تغلق خلفه.
«هذه المرة.» قال كايد بصوت مسموع. «هذه المرة سأقف.»
لكن ساقيه لم تتحركا. بدلاً من ذلك، جلس على الكرسي الدوار، وأدار وجهه نحو الشاشة. على المكتب، ظهر مسدس، ليس مسدسه الحقيقي، بل نسخة منه، كتلة من ظل أسود تلمع كزجاج مكسور. كايد نظر إليه، وتذكر أنه في تلك الليلة، حمل المسدس، لكنه لم يستخدمه. لم يهدد، لم يطلق، لم يفعل شيئاً. فقط جلس، ودع السارق يهرب.
«لأنني كنت خائفاً.» قال. «لم أكن خائفاً من السارق. كنت خائفاً من أنني إذا أطلقت النار، سيتم التحقيق معي، سيسألونني لماذا كنت أتجاهل الكاميرات، لماذا كنت أترك الباب الخلفي مفتوحاً كل ليلة. كنت خائفاً من أن يكتشفوا أنني لم أكن فقط مهملاً، بل متواطئاً.»
الكلمات خرجت كدفق، كأن المتاهة لم تكتفِ برؤية ذنبه، بل أرادت سماعه يقولها بصوت عالٍ. كايد شعر بفمه جافاً، ولسانه ثقيلاً، لكنه استمر.
«أخذت رشوة. ليس من السارق، بل من مديري. قالوا لي إن الخزنة ستُسرق، وإنني يجب أن أنظر في الاتجاه الآخر. وافقت. أخذت المال، وأغلقت الكاميرات، وجلست أدخن. في الصباح، وصلت الشرطة، وادعيت أنني لم أر شيئاً. أنني كنت نائماً.»
الشاشة توقفت. الصورة تجمدت على وجه السارق، لكن القناع كان قد زال. تحتها، كان وجه كايد نفسه، عيناه فارغتان، وفمه مفتوح كأنه يريد الصراخ لكن الصوت لا يخرج.
«أنا لست الضحية.» قال كايد، وضحك ضحكة قصيرة، جافة. «أنا الجاني.»
من خلفه، سمع صوت باب يفتح. استدار، ورأى باباً آخر، نفس الباب الخشبي، نفس الرقم، لكنه هذه المرة لم يكن يؤدي إلى الغرفة التي جاء منها، بل إلى ممر طويل، مظلم، لا نهاية له.
الباب المتكرر. الباب الذي يعيده دائماً إلى نفس النقطة.
«كلما حاولت الخروج.» همس كايد. «كلما حاولت التقدم، أعود إلى نفس الباب. إلى نفس الغرفة. إلى نفس الاختيار.»
وقف ببطء، ترك المسدس على المكتب، ومشى نحو الباب الجديد. لكن قبل أن يخطو عبر العتبة، التفت إلى الشاشة، حيث وجهه لا يزال معلقاً في الإطار.
«سأخرج.» قال. «ليس لأنني أستحق ذلك، بل لأن البقاء هنا يعني أنني سأظل أنظر إلى وجهي هذا إلى الأبد.»
عبر الباب، ودخل الممر المظلم. خلفه، الباب انغلق مرة أخرى، لكنه لم يختفِ. بقي هناك، ينتظر عودته.
سكارليت لم تكن تعرف كم من الوقت مضى منذ انفصلت عن الآخرين. الممرات كانت تلتوي أمامها كأمعاء مريضة، كل منعطف يشبه السابق، لكنه ليس نفسه تماماً. كانت تضع يدها على الجدران لتتلمس طريقها، والمادة التي لامستها كانت دافئة، رطبة، كأنها تلمس جلداً حياً تحت طبقة من الجص.
ثم رأت المرآة.
كانت كبيرة، إطارها من خشب متآكل، سطحها مغطى بغبار كثيف. لم تكن موجودة قبل لحظة. تشكلت من الجدار كفقاعة على سطح ماء راكد. سكارليت وقفت أمامها، ترى انعكاس وجهها: عيونها محتقنة، شعرها متطاير، شفتاها جافتان. لكن خلف انعكاسها، في عمق المرآة، كان هناك ظل. ليس ظلها هي، بل ظل آخر، يتحرك ببطء، كأنه يحاول الخروج من الزجاج.
«لا.» همست سكارليت، وصوتها كان خشنًا كحجر مكسور. «لا، ليس الآن.»
لكن المرآة لم تستمع. الظل كبر، اقترب، حتى أصبح شكلاً بشرياً واضحاً: رجل، نحيف، وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وفمه مفتوح كأنه يريد الصراخ. سكارليت عرفت هذا الوجه. كانت تراه في كوابيسها كل ليلة منذ ثلاث سنوات.
«أنت لست حقيقياً.» قالت، وهي تتراجع خطوة. «أنت مجرد ذكرى. مجرد خطأ.»
الرجل في المرآة رفع يده، لمس الزجاج من الداخل، والمرآة تموجت كالماء تحت أصابعه. خلفه، ظهرت غرفة مستشفى: أسرة بيضاء، أجهزة طبية صامتة، ضوء فلوري يطن. سكارليت رأت نفسها هناك، واقفة عند باب الغرفة، ترتدي معطفاً أبيض، وفي يدها ملف طبي.
«قلت لك لا يمكنني مساعدتك.» سمعت صوتها من الماضي، بارداً، رسمياً. «حالتك متقدمة جداً. العلاج التجريبي ليس خياراً متاحاً لمرضى التأمين العام.»
الرجل في السرير نظر إليها، عيناه كانتا مثل عينيه الآن: فارغتين، مستسلمتين. قال شيئاً، لكن الصوت كان مشوشاً، كأنه يأتي من تحت الماء. سكارليت في المرآة أغلقت الملف، واستدارت، وغادرت الغرفة دون أن تلتفت.
«كنت أعرف أن هناك برنامجاً آخر.» قالت سكارليت الحقيقية، وصوتها كان يرتجف. «كنت أعرف أن هناك مستشفى خاصاً يقبل الحالات اليائسة. لكنني لم أخبرك. لأنه كان سيكلفني وظيفتي. لأن المدير قال إن إحالة المرضى إلى هناك تعني اعترافاً بأن مستشفانا غير قادر على العلاج.»
الرجل في المرآة ضرب الزجاج بقبضة يده. الشقوق تشعبت من نقطة الاصطدام، لكن المرآة لم تنكسر. بدلاً من ذلك، تدفق منها هواء بارد، يحمل رائحة مطهر ومخاط.
«لقد مت بعد أسبوع.» قالت سكارليت. «في غرفة الطوارئ، لأنهم لم يعرفوا كيف يتعاملون مع حالتك. وكان يمكن أن أعيش. كان يمكن أن أنقذك. لكنني فضلت أن أكون مريحة على أن أكون صحيحة.»
الظل في المرآة بدأ يتحلل، يذوب في الزجاج كالحبر في الماء. وجهه تشوه، عيناه أصبحتا ثقبتين أسوداوين، وفمه اتسع في صرخة صامتة. ثم اختفى، تاركاً المرآة فارغة، سطحها أملس كأن شيئاً لم يكن.
سكارليت نظرت إلى انعكاسها مرة أخرى. الآن، كانت وحدها في المرآة، لكن شيئاً ما تغير: تحت عينيها، ظهر خط رفيع من الدم، ينزف ببطء كالعرق. لمسته بإصبعها، ونظرت إلى الطرف القرمزي، ثم إلى المرآة، حيث بدأت الغرفة خلفها تتلاشى، لتكشف عن ممر جديد، مظلم، مثل المريء.
صوت خطوات متعددة اندمج في الممر الجديد. جايل سمعها قبل أن يراهم: ثيو يلهث، كايد يتمتم بشيء غير مفهوم، سكارليت تسحب نفساً عميقاً. ثم ظهرت إيسلا من الجهة المقابلة، شعرها ملتصق بجبهتها، أصابعها تنزف من حافة ظفر ممزق.
التقوا عند نقطة حيث أربعة ممرات تلتقي في دائرة صغيرة، سقفها منخفض كأنه يسحقهم. الجدران هنا كانت مغطاة بطبقة من الجص الأبيض، لكنه كان يتقشر في بقع، كاشفاً عن صفائح معدنية تحتها. جايل وضع يده على أحدها، وشعر باهتزاز خفيف، كنبض تحت الجلد.
«نحن عالقون.» قال كايد، وصوته مسطح، خالٍ من العاطفة. «كل ممر أعادني إلى نفس الباب.»
«الباب الذي يغلق خلفك.» همست سكارليت. «رأيت وجهه. وجه المريض. كان في المرآة.»
ثيو لم يقل شيئاً. كان ينظر إلى يديه، وكأنه يبحث عن شيء فقده بين أصابعه.
إيسلا لم تكن تستمع. كانت تحدق في الجدار أمامها، حيث بدأ الجص يتشقق في نمط حلزوني. الشقوق كانت دقيقة في البداية، كشبكة عنكبوت، ثم اتسعت، وتعمقت، وكشفت عن خطوط سوداء تحتها. جايل اقترب ليرى: الخطوط كانت رسوماً معمارية، مخططات لمبنى، كل زاوية وكل منحنى مألوف.
«هذا أنا.» قالت إيسلا، وصوتها كان هادئاً جداً، كأنه يأتي من تحت الماء. «هذه تصميمي.»
الجدار كان يتشقق الآن بسرعة، الشقوق تتبع الخطوط الزرقاء كأنها تذبح الرسم. قطع من الجص سقطت على الأرض، وتحطمت إلى غبار ناعم. تحت المخطط، ظهرت طبقة أخرى: صور جوية للساحل، خطوط حمراء تشير إلى منسوب مياه متزايد، ملاحظات مكتوبة بخط يد مهندس. جايل رأى كلمة واحدة واضحة: «تحذير».
«قالوا لي إن الهيكل سيصمد.» قالت إيسلا، وهي تلمس الشقوق بأصابعها النازفة. «قالوا لي إن الأمواج لن تصل إلى هذا الارتفاع خلال عشرين عاماً. صدقتهم. لأنني أردت أن أصدقهم.»
الجدار تنفس. لا كناية، بل حرفياً: الجص المتبقي تمدد، وانكمش، كأنه رئة داخل صدر معدني. من الشقوق، تسربت رائحة ماء مالح وطحالب متعفنة. جايل شعر بالرطوبة تتكثف على جلده.
«لقد تجاهلت التحذيرات.» قالت إيسلا، وصوتها أصبح خشنًا الآن. «قلت للمهندس إن حساباته خاطئة. لأنه كان سيكلفنا شهرين إضافيين من البناء، وكان العميل يريد التسليم قبل الموسم السياحي.»
الشقوق اتسعت أكثر. قطع كبيرة من الجص انهارت، كاشفة عن لوحة كاملة من الخرائط والرسوم البيانية، كلها تظهر نفس الشيء: مبنى يتآكل من القاعدة، خط مياه يرتفع ببطء، جدران تتشقق تحت ضغط لا يُرى. في زاوية اللوحة، كان هناك ختم: «إيسلا مهندسة معمارية، تاريخ التصميم».
«غلاف المأوى.» قالت، وكادت أظافرها تخترق الجدار. «صممته ليكون جميلاً. ناعماً. أبيض. مثل صدفة. لكن الصدفة لا تحمي مما بداخلها.»
ثيو رفع رأسه أخيراً، ونظر إلى الشقوق الممتدة عبر الجدار. قال بصوت خفيض: «كل شيء هنا من صنعنا. كل جدار، كل ممر، كل صدى. المتاهة تبنينا من ذنوبنا.»
كايد فتح فمه ليقول شيئاً، لكن الجدار أمام إيسلا انهار فجأة في دائرة، كاشفاً عن غرفة خلفه. في وسط الغرفة، كان هناك نموذج مصغر للمأوى، مصنوع من الرمل والجص، نصفه منهار، والمياه تتسرب من قاعدته.
إيسلا نظرت إليه، ولم تبكِ. فقط وقفت، يدها لا تزال ممدودة، الدم يسيل من أطراف أصابعها ويتقطر على الأرض حيث تشكل بركة صغيرة، حمراء، مثل علامة على خريطة.
النموذج المصغر أمام إيسلا بدأ يتفكك. الرمل تسرب من قاعدته كدم من جرح، والجص تفتت في بركة المياه المالحة التي انتشرت على أرضية الغرفة. جايل رأى كيف أن كل قطعة ساقطة كانت ترسم نفس نمط التشقق الذي رأه في جدران الممرات.
«ليس سجناً.» قال جايل، وصوته خرج أجش، كأنه لم يتكلم منذ ساعات. «السجن له باب، له قضبان، له سجان. هذا المكان ليس كذلك.»
ثيو رفع رأسه، عيناه غائرتان، داكنتان. قال: «إنها تعيد تشكيل نفسها حول ذنوبنا. كل غرفة، كل ممر، كل باب يظهر ليحتوي ما نحمله.»
سكارليت لم تكن تنظر إليهم. كانت تنظر إلى يديها، حيث بقع حمراء جافة تحت الأظافر. قالت بصوت مسطح، كأنها تقرأ تشخيصاً على ورقة: «المريض الذي رفضته. كان يعاني من التهاب رئوي حاد. قلت إنه ليس بحالة طارئة، إنه يضيع وقتي، إن غيره يستحقون أكثر. مات بعد يومين في مستشفى آخر.»
كايد أدار ظهره للجميع، ونظر إلى الممر الذي خرج منه. قال، وصوته يكاد يختفي تحت صوت المياه المتسربة: «عندما رأيت الرجل يسرق، لم أتحرك. تظاهرت أنني لم أر شيئاً. كان يعرف أنني رأيته. ابتسم لي.»
الجدران بدأت ترتجف. لا بعنف، بل برعشة خفيفة، كقشعريرة على جلد حجري. جايل شعر بها من خلال قدميه، الاهتزاز يصعد عبر العظام، يستقر في صدره. قال، والكلمات خرجت قبل أن يفكر فيها: «تركتهم. تركت طاقمي في العاصفة. قلت إن القارب لن يتحمل، إن إنقاذهم يعني موتي. أنقذت نفسي، وهم غرقوا. سمعتهم يصرخون حتى توقفوا.»
الصمت الذي تبع كلماته كان ثقيلاً، دافئاً، كأنفاس كائن حي. ثم انفجرت المياه من الشقوق كلها في آن واحد، ليست ماءً عادياً بل سائلاً لزجاً، كثيفاً، بلون الصدأ، ينساب على الجدران كالدموع على وجه. جايل رفع يده ليلمسها، فالتصقت أصابعه بها، كالصمغ الحي.
«هي لا تعاقبنا.» قالت إيسلا، وصوتها أصبح واضحاً فجأة، كأنها فهمت شيئاً أخيراً. «إنها تتغذى. كلما شعرنا بالذنب، كلما تذكرنا، كلما تورطنا في الندم، كلما كبرت.»
الممرات الأربعة بدأت تضيق. الجدران تحركت ببطء، متجهة نحو الداخل، تدفعهم نحو المركز. جايل شعر بالضغط على كتفيه، على صدره، كأن المتاهة كانت تستمع وتستجيب.
ثيو قال، بصوت هامس لكنه قطع الصمت كسكين: «إذا كانت تتغذى على ندمنا، فماذا يحدث إذا توقفنا عن الندم؟»
الجدران توقفت. للحظة، كان السكون كاملاً، حتى صوت الماء توقف. ثم اهتزت الأرضية تحتهم، وبدأت الدائرة التي يقفون عليها تنخفض ببطء، كمنصة تفتح تحتها فجوة، لكنها لم تفتح - فقط انخفضت، نازلة بهم إلى طابق سفلي لم يروه من قبل، حيث كان الظلام أسمك، والهواء أبرد، وصوت نبض بطيء ينبعث من تحت أقدامهم كأن قلب المبنى لا يزال ينبض.
---
نهاية الفصل الثاني