الفصل الأول: الدعوة الشريرة
8 دقائق قراءة · 1,554 كلمة
الفصل الأول: الدعوة الشريرة
كان المأوى الساحلي يتآكل بصمت، جدرانه الخرسانية تتقشر كجلد شيخ، والملح يتمدد في شقوقها كشرايين بيضاء. الشمس معلقة فوق البحر، ثقيلة وشاحبة، لا تمنح دفئاً بقدر ما تفضح.
جايل وقف عند المدخل زمناً أطول من اللازم. راح يقلب نظره في واجهة المبنى: نوافذها الملبدة بالغبار، سلمها الحديدي الصدئ الذي يئن تحت كل خطوة، لافتة من خشب متآكل كُتب عليها «مرحباً بكم في ملاذ الموج». قرأها مرتين، ثم دخل.
البهو فسيح، لكن رائحة البلل تعتصر الحلق. امرأة تقف عند لوحة إرشادية، أصابعها تلمس الخريطة كأنها تتحسس جرحاً. إيسلا. جايل لم يعرف اسمها بعد، لكنه لاحظ حاجبيها المعقودين، وطريقة تفحصها للجدران كمن يبحث عن خطأ قديم.
شاب نحيل جلس على مقعد خشبي، يحرك أصابعه في الهواء كأنه يعزف على آلة غير مرئية. ثيو. كان ينظر إلى السقف المتشقق، شفتاه تتحركان بصمت.
رجل ثالث تقدم من الباب الخلفي، مشيته متحفظة، يداه في جيبه، عيناه تمسحان الزوايا مثل حارس معتاد على تفقد النقاط العمياء. كايد.
عند المنضدة الخشبية، امرأة أخرى تضع حقيبة طبية على الطاولة، تفتحها وتغلقها دون سبب. سكارليت. كانت تبتعد قليلاً عن الآخرين، كأنها تحمي مساحة غير مرئية حولها.
جايل التفت إلى الموظف الوحيد خلف المنصة، شاب في العشرين، يبتسم بلا روح، وشارته المعدنية معلقة بشكل معكوس. «كم التذكرة؟» سأل جايل.
«المتاهة مجانية اليوم» قال الشاب، وصوته مسطح كأنه يسجل رسالة. «بمناسبة افتتاح الموسم».
«افتتاح؟» قالت إيسلا، صوتها حاد ككسر. «هذا المكان ينهار».
«المتاهة جديدة» رد الشاب. «افتتحت البارحة».
ثيو وقف عن المقعد. «جديدة؟ المأوى نفسه عمره خمسون سنة».
الموظف هز كتفيه. «المتاهة تشتغل من تلقاء نفسها».
نظروا إلى بعضهم. جايل أحس بدغدغة في مؤخرة عنقه، شيء يشبه أن يُرصد. لكنه تجاهلها ودفع ثمن التذكرة. الآخرون فعلوا الشيء نفسه، واحداً تلو الآخر، كأنهم يوقعون على عقد غير مرئي.
الممر المؤدي إلى المتاهة ضيق، سقفه منخفض، والمصابيح الفلورية تطن بنبرة مريضة. الجدران مغطاة بألواح بلاستيكية رخيصة، لكن تحتها، هنا وهناك، يظهر الخشب العاري، خشب قديم، غارق في رطوبة سنوات.
«لِمَ كل هذا الصمت؟» قالت سكارليت، تكاد تهمس.
«لا أحد يتكلم في المتاهة» أجابها كايد، ثم صمت كأنه ندم على الكلام.
انتهى الممر فجأة إلى فضاء مفتوح. أمامهم خمسة ممرات، كل واحد يبدأ بباب زجاجي متسخ. على كل باب، في أعلى الزجاج، حرف واحد منحوت بالليزر: ج، إ، ث، ك، س.
«أحرفنا الأولى» قالت إيسلا، وصوتها ارتجف رغم محاولتها تثبيته.
جايل تقدم نحو الباب المكتوب عليه «ج». أدار المقبض. الزجاج انزلق للداخل، وهواء بارد فاحت رائحته، رائحة ماء مالح، وحبال مبللة، وحديد صدئ.
«سنفترق؟» سأل ثيو، وصوته كطفل.
«لابد أن هناك مخرجاً مشتركاً» قالت سكارليت. لكنها لم ترفع عينيها عن بابها.
جايل دخل. الباب انغلق خلفه بصوت حاد، صوت مزلاج يثبت، ثم قفل يضرب. وقف في الظلام، يسمع دقات قلبه. ثم من خلفه، عبر الجدار، سمع الأصوات ذاتها: أربعة أصوات حادة، أربعة أقفال، أربعة أبواب أغلقت في آن واحد.
صوت خامس. الباب الرئيسي. أثقل، أعمق، مثل نعش يُقفل.
ظل جايل واقفاً، والظلام يثقل على عينيه. ثم بدأت الممرات تتحرك، ليس بعنف، بل برقة، كأنها تتنفس. الجدران تزحف، الممرات تتشعب، والرائحة تعلو.
سمع شيئاً. صوت ماء. وصوت حبال تشتد. وصوت رجال يصرخون.
عرف ذلك الصوت. كان يحمله في رأسه كل ليلة منذ سبع سنوات.
بدأ يركض.
الظلام لم يكن كظلمة الغرف المغلقة. كان سميكاً، يتحرك، يتنفس من جدرانه. جايل وقف ساكناً، يداه ممدودتان إلى الأمام، أصابعه تلمس الفراغ. لا شيء.
ثم سمعها: خشخشة خفيفة، كأن شيئاً يزحف على البلاستيك. من خلفه؟ من أمامه؟ لا يستطيع تحديد الاتجاه. أدار رأسه ببطء، وعيناه تحاولان ثقب السواد.
الضوء عاد فجأة. ليس ضوءاً كاملاً، بل وميض أصفر باهت انبعث من شريط LED مثبت على السقف. أضاء الممر أمامه: جدران من ألواح بلاستيكية رخيصة، أرضية من الخشب المطاطي، سقف منخفض. عادي. ممر متحف عادي.
لكن الجدران كانت تتحرك.
جايل حدق في اللوحة التي أمامه. كانت تنزلق ببطء نحو اليمين، تاركة فجوة ضيقة حيث كان الجدار قبل ثوانٍ. من الفجوة، ظهر ممر آخر، أضيق، أغمق، جدرانه من حجر قديم وليس بلاستيك.
التفت إلى الخلف. الممر الذي أتى منه لم يعد موجوداً. مكانه جدار صلب، مغطى بطبقة من الطحالب الجافة تتقشر كالقشور.
«هذا مستحيل» قالها بصوت منخفض، لكن الصوت ارتد من الجدران كأنه صرخ.
بدأ يمشي ببطء، أصابعه تتبع الجدار الأيسر. كل خطوة تثير صريراً خافتاً من الخشب تحت قدميه. بعد عشر خطوات، توقف. الجدار الأيسر كان يبتعد عنه، يتوسع الممر إلى ردهة صغيرة. في وسط الردهة، باب زجاجي. خلف الزجاج، ظلال تتحرك.
«أحدهم هناك» همس جايل، ثم قرع الباب بظهر يده. الصوت أجوف، كأن الباب من ورق مقوى.
الظلال توقفت. ثم بدأت تقترب. ثلاثة ظلال، أربعة، تتشكل على الزجاج كأنها وجوه تسبح في ماء عكر. جايل تراجع خطوة، ثم اثنتين. أصابعه تبحث عن مقبض الباب، لكن الزجاج أملس، لا مقبض، لا قفل، لا شيء سوى سطح بارد ينضح بالرطوبة.
صوت من خلف الجدار: طرق خفيف، ثلاث ضربات متباعدة. ثم صوت امرأة: «جايل؟ هل أنت هناك؟» صوت إيسلا، لكنه مكتوم، كأنه يأتي من تحت الماء.
«نعم» قال، وصوته انكسر. «أين أنت؟»
«لا أعرف. الجدران تتحرك. كلما اتجهت نحو الصوت، يتغير كل شيء.» صوتها تلاشى ثم عاد: «هناك ممرات جديدة تظهر... كأن المكان يتنفس...»
صمت. ثم خشخشة، ثم اختفى الصوت تماماً. جايل ضرب الجدار بقبضته. الجدار اهتز مثل جلد، وانبعثت منه رائحة رطبة، رائحة حبال مبللة، رائحة السفينة القديمة.
تراجع إلى الردهة. الباب الزجاجي الآن تحول إلى جدار صخري، منحوت فيه نقوش دائرية تشبه خرائط قديمة. لمسها. الحجر كان دافئاً، دافئاً كجسد حي.
ثم سمعها: صرخة من بعيد. ليست صرخة ألم، بل صرخة اعتراف، كمن يرى شبحاً نهض من قبره. صرخة رجل. ثيو؟ كايد؟ لا يستطيع التمييز. تبعتها صرخة أخرى، أنثوية، حادة، ثم صمت.
جايل أدار ظهره للجدار وبدأ يركض. الممرات تتشعب أمامه كلما تحرك، الممرات تتكاثر كالفطريات، تنفتح من الجدران، تتداخل، تبتلع بعضها. ركض حتى انقطع نفسه، ثم توقف، انحنى، يداه على ركبتيه، والعرق يتصبب من جبينه.
رفع رأسه. كان في نفس الردهة. الباب الزجاجي نفسه. الجدار نفسه. الطحالب نفسها.
«لا» همس. «لا».
جلس على الأرض، ظهره مستنداً إلى الجدار الدافئ، وعيناه مفتوحتان على الممرات التي تستمر في التلوي، تتشكل، تتنفس، ككائن عملاق يهضمهم ببطء.
من بعيد، سمع طرقات. أربعة طرقات مختلفة، من أربع جهات مختلفة، تتصادم في صدى واحد. كانوا جميعاً يطرقون الجدران، يبحثون عن مخرج. لكن الجدران لم ترد، بل استمرت في الحركة، تنمو، تبتلع المسافات، تغلق الفجوات.
جايل أغمض عينيه. وفي الظلمة خلف جفنيه، رأى الممرات تتفتح كأوردة، والجدران تنزف عتماً، والمتاهة كلها تدور حوله كدوامة من خشب وحجر وذاكرة. أدركها الآن، ليس كخوف بل كيقين بارد: ليسوا في متاهة. المتاهة فيهم. وهي تنمو.
وقف جايل. ساقاه ترتجفان من الجلوس الطويل، لكنه وقف. الصوت أتى من خلف الجدار الصخري، الجدار الذي كان قبل لحظات باباً زجاجياً. ليس صرخة واحدة، بل عدة صرخات تتقاطع وتتداخل كخيوط في نسيج واحد. تعرف عليها. تعرف نبرة كل واحد منهم.
صوت مالك، ذاك الذي كان يقف على السطح عندما انقلبت السفينة. صوته أجش، كأنه يصرخ من تحت الماء. وصوت سامر، الذي كان يربط الحبال عندما ضربت العاصفة. وصوت إيليا، الذي لم يتعلم السباحة أبداً. كلهم يصرخون، كلهم يسميهم بأسمائهم، كلهم يسألون: لماذا تركتنا؟
جايل تقدم خطوة نحو الجدار. ثم توقفت قدماه. ليس لأنه اختار التوقف، بل لأن ساقيه رفضتا الحركة. تجمدتا كأن العظم تحول إلى حجر. مد يده نحو الجدار، وأصابعه لامست النقوش الدائرية. الحجر كان لا يزال دافئاً، لكن الدفء الآن يلسع، كحرارة جسد يحتضر.
مِن النقوش، بدأ الماء يتسرب. قطرات صغيرة، مالحة، تسيل على طول الخطوط المحفورة. رفع إصبعه، وضعها على لسانه. ملح. ماء بحر.
الصرخات ازدادت قرباً. لم تعد من خلف الجدار، بل من داخله. كأن الجدار نفسه يصرخ، يهتز بالصوت. جايل ضرب الجدار بكفه. الجدار لم يتحرك، لكن الصدى عاد إليه: صوت كفه على الجلد، لا على الحجر. رطب، لحمي، حي.
تراجع خطوة، ثم أخرى. الصرخات تلاشفت قليلاً، ثم عادت أعلى، تملأ الممر الضيق. أدار رأسه يميناً وشمالاً. الممرات كانت تتشعب أمامه، تفتح فجوات جديدة في الجدران، وفجوات أخرى تغلق خلفه. لا يعرف أي طريق سلك. لا يعرف حتى إن كان يتحرك أم أن الأرض تحته تنزلق.
رفع نظره إلى السقف. شريط LED كان يومض الآن، ضوء أصفر متقطع، يكشف عن جدران تتنفس: تنتفخ ثم تنكمش، كرئة عملاقة. وفي كل انكماش، صرخة تنطلق من المسام. جايل سمع اسمه، واضحاً، كأن أحدهم يقف خلفه مباشرة.
التفت. لا أحد. لكن الجدار خلفه تغير، نحت نفسه على شكل وجه. ليس وجهاً بشرياً تماماً، بل تجويفات تشكل ملامح: عينان غائرتان، فم مفتوح، وأنف يقطر ماء مالحاً. جايل حدق في الوجه، والوجه حدق فيه. ثم الفم تحرك، لا يصدر صوتاً بل يلفظ هواءً بارداً، نفساً طويلاً من رائحة حبال مبللة وحديد صدئ.
جايل أغمض عينيه. ليس خوفاً، بل لأن الرائحة غمرته، وأعادته إلى تلك الليلة: الريح تعصف، السفينة تميل، والماء يتدفق من كل شق. وأسماؤهم، يصرخون بها، يطلبون المساعدة، وهو واقف، لا يتحرك، متجمداً كما هو الآن، قدماه مغروستان في الأرض كجذور شجرة ميتة.
فتح عينيه. الوجه اختفى، لكن الجدار بقي، يبكي ماءً مالحاً من كل نقرة ونقش. جايل حاول أن يتنفس بعمق، لكن الهواء كان ثقيلاً، ممتلئاً برائحة الموت. كل شهقة كانت تشعر كأنها تبتلع غباراً ورطوبة وذاكرة. كل زفير كان يخرج كنداء مكتوم.
من بعيد، سمع صوت إيسلا مجدداً، لكنه هذه المرة ليس موجهاً إليه. كانت تتحدث مع نفسها، همسات سريعة عن مخططات وتصاميم وعن إهمال. ثم صمتت، وبدأت تبكي. بكاء جاف، متقطع، كمن يبكي من الداخل.
جايل أراد أن يصرخ باسمها، لكن صوته لم يخرج. الحبال الصارخة في أذنيه كانت أعلى، تملأ الفراغ، تزاحم كل فكرة. ضغط على أذنيه بكفيه، لكن الصوت كان يأتي من داخل رأسه، من خلف عينيه، من تجاويف جمجمته.
جلس على الأرض، ظهره مستنداً إلى الجدار الباكي. رفع ركبتيه إلى صدره، وأحاطهما بذراعيه. كطفل. الصرخات استمرت، تتكاثر، تتصاعد، لكنه لم يعد يحاول الهرب. لا يعرف إن كان هذا شجاعة أم استسلاماً أم شيئاً بينهما. فقط جلس، منتظراً أن يتوقف كل شيء، أو أن يبدأ.
---
نهاية الفصل الأول