البارت2
3 دقائق قراءة · 405 كلمة
الفصل الثاني: نفيُ الروح
مضى أسبوعٌ كامل، ونادين لم ترَ فيها وجه الشمس. تحولت غرفتها الفاخرة إلى "منفى مذهب"، حيث لا صوت يكسر الصمت سوى رنين الأواني الفضية التي يضعها الحراس بجفاء عند الباب. كان الدلال الذي اشتُهرت به قد ذبل، لكنه لم يمت؛ بل تحول إلى صلابةٍ غريبة، كأنها أميرة محاربة تنتظر لحظة الانقضاض.
في الليلة الثامنة، انفتح البابُ الثقيل. دخل والدها، وبيده ملفٌ جلديٌّ أسود. لم ينظر إليها بعطف، بل جلس على الكرسي المخملي كأنه قاضٍ يستعد للنطق بحكم الإعدام.
قال بصوته الذي يشبه صرير الرخام:
"لقد علمنا مكانه، يا نادين. ذاك الشاعر الذي ظننتِ أنه بطلٌ في رواية، هو الآن مجرد رقم في زنزانة لا تصلها الرطوبة. إنه يواجه تهماً قد تجعله يقضي ما تبقى من عمره خلف القضبان.. أو ربما ما هو أسوأ."
ارتجفت يد نادين المخفية تحت كم ثوبها الحريري، لكنها رفعت ذقنها بكبرياء:
"التهمُ لا تصنع الحقيقة يا والدي. أنتم تخافون من كلماته، والآن تخافون حتى من صمته."
ضحك الوالد بمرارة، ثم ألقى الملف على الطاولة:
"لا يهمني ما تخافين أو ما نرتعب منه. العرض واضح: سأخرجه من هناك، وسأمنحه جواز سفرٍ جديداً ومبلغاً من المال ليختفي وراء البحار، بعيداً عن هذه البلاد وعنكِ للأبد.. مقابل شرطٍ واحد: أن تقبلي بالزواج من 'عمران'، وتعلني أمام الصحافة أن علاقتكِ بذاك الصعلوك كانت مجرد 'نزوة عابرة' لتعلم كتابة الشعر."
كانت الطعنة غائرة. يريدون منها أن تقتل صورته في قلبها مقابل أن تمنحه الحياة في جسده. عمران، رجل الأعمال الذي يتاجر بكل شيء حتى بالمشاعر، كان يمثل كل ما يكرهه آسر؛ الجشع، والزيف، والقوة العمياء.
قالت نادين بصوتٍ مخنوق، وعيناها تلمعان بدموعٍ تأبى السقوط:
"تريد مني أن أبيع روحي لأشتري له النفي؟"
أجابها ببرود وهو يهمُّ بالخروج:
"أريدكِ أن تختاري.. إما أن يعيش غريباً وحراً في بلادٍ بعيدة، أو أن يموت هنا وهو يكتب اسمكِ بدمه على حائط الزنزانة. أمامكِ ليلة واحدة لتقرري."
في الزنزانة المظلمة:
كان آسر مستلقياً على الأرض الباردة، جسده مثقل بالأوجاع لكن روحه كانت تحلق في شرفة "نادين". لم يكن يخشى الموت، بل كان يخشى أن ينكسر كبرياؤها بسببه. كان يعلم أنهم سيساومونها، فتمتم في صمته:
"لا تفعليها يا نادين.. لا تشتري بقائي بزيفكِ. كوني جميلةً وعنيدة كما عرفتكِ، حتى لو كان ثمن ذلك أن نفترق في الدنيا لنلتقي في القصيدة."
لم تكن نادين تعلم ما يدور في خلده، لكنها في تلك الليلة، ومارست آخر طقوس دلالها؛ لفت وشاحها الحريري حول عنقها، وجلست في الزاوية المظلمة تكتب بقطعة فحم صغيرة على الجدار الأبيض:
"آسر.. لقد خيروني بين غيابك وموتك. فماذا تفعل أميرةٌ غنوجة إذا صار قلبها هو الفدية؟"