البارت 1
دقيقتان قراءة · 350 كلمة
الفصل الأول: حصارُ المَرمَر
ساد الصمتُ أرجاء القصر، لكنه لم يكن صمتَ السكينة، بل كان صمت القبور الذي يسبق العاصفة. خلع الفجرُ ثوبه الرمادي على غصون الأشجار، بينما كانت "نادين" تقف خلف زجاج نافذتها العالي، ترقبُ العالم الذي باتت تفصلها عنه قضبانٌ من ذهب.
لقد عرفوا كل شيء.
اقتحم والدها، "الباشا" ذو النفوذ الطاغي، خلوتها في الهزيع الأخير من الليل. لم يصرخ، ولم يكسر شيئاً؛ فالقسوة الأرستقراطية تكمن في الهدوء الذي يسبق الذبح. وقف أمامها ببدلته الرسمية التي لا تجعد فيها، ونظر إلى ابنته الوحيدة كأنها استثمارٌ خاسر.
قال بصوتٍ منخفض، كفحيح الأفعى:
"نادين.. لقد أهدرتِ قروناً من شرف العائلة في هوامش كتابٍ لمشرّد. ظننتِ أن دلالنا لكِ سقفٌ لا يسقط، فجعلتِ منه سُلّماً ليرتقي إليكِ حُثالة الأزقة. من هذه اللحظة، أنتِ لستِ ابنتي.. أنتِ 'سجينةُ هذا الاسم' حتى نغسله بدموعكِ."
بإشارةٍ من يده، جُرّدت الغرفة من كل ملامح الحياة. سُحبت منها الوصيفات، وأُخذت منها أوراقها، وريشتها الذهبية، وحتى دواوين "آسر" التي كانت تخبئها تحت وسادتها. أُغلق البابُ الحديديُّ الضخم خلفه، وبقي حارسان لا يتحدثان يقفان عند العتبة، يمنعان عنها حتى ضوء الممرات.
جلست نادين على طرف فراشها الحريري، الذي صار ملمسه كالحنظل. لم تبكِ؛ ففي عروقها دماءٌ لا تنهزم بسهولة. تذكرت غنجها الزائد الذي كان يغيظ "آسر"، وابتسمت بمرارة. لقد كان ذلك الغنجُ درعاً، والآن أصبح هو القيد.
تمتمت بصوتٍ خافت، وهي تلمس جدار الرخام البارد:
"يا آسر.. لقد أحكموا الغمدَ على النصل، فهل تصلك صرخاتُ صمتي؟ إنهم يظنون أن الحرمان يكسرني، ولا يعلمون أنني شبعتُ من الكلمات حتى صرتُ لا أحتاجُ الخبز."
لم يكن حال "آسر" بأفضل. في تلك الليلة، داهمت قوةٌ غامضة غرفته المتواضعة. لم يُعتقل بتهمة سياسية، بل بتهمة "التطاول على أسياد النعمة". أُحرقت مسودات قصائده في وسط الزقاق أمام عينيه، وضُرب حتى سال حبرُ دمه على التراب.
قال له الضابط وهو يغرس عقب بندقيته في صدره:
"الشعراءُ يكتبون عن النجوم يا فتى، لكنهم لا يلمسونها. لقد تجرأتَ على لمس نجمةٍ ليست في مدارك، وسيكون ثمنُ هذا اللمس.. العتمة الأبدية."
رُمي آسر في زنزانةٍ لا يزورها الضوء، يحيط به صمتٌ مطبق، لكنه في ظلامه، كان يرى وجه "نادين" الزمرديَّ يضيء له عتمة القهر. كان يعلم أن الصراع الحقيقي قد بدأ، وأن "ضريبة الضوء" ستكون باهظةً جداً.