البارت 1
دقيقة واحدة قراءة · 197 كلمة
البارت الأول: رائحة الرماد.. وذاكرة الغبار
لم تكن النار التي التهمت منزلنا مجرد ألسنة لهب، كانت وحشاً جائعاً ابتلع أصوات أمي، وضحكات أبي، وكتبي التي لم أتمم قراءتها. وقفتُ أمام الركام والرماد يتساقط على شعري كثلجٍ أسود، ولم أبكِ. لم أكن أملك دموعاً، بل كنتُ أملك فراغاً شاسعاً بدأ يتمدد في صدري ليحتل مساحة الوجود كله.
نقلوني إلى ذلك المكان الذي يسمونه "دار الأيتام"، لكنني أسميته "المقبرة الصامتة". كانت الجدران هناك مطلية بلونٍ كئيب يشبه وجوه المشرفين، ورائحة الحساء المحروق تمتزج برائحة اليأس.
"مريم.. توقفي عن التحديق في الفراغ وكلي طعامكِ"، قالت المشرفة "فوزية" بصوتٍ يشبه احتكاك الصدأ.
لم ألتفت إليها، كنتُ أنظر إلى الزاوية المظلمة في القاعة الكبيرة. هناك، رأيتُ شيئاً لم يره أحد. رأيتُ رجلاً بملابس رثة، يجلس على الأرض ويحمل في يده سماعة طبية مكسورة. نظر إليّ بابتسامة باهتة وهمس بصوتٍ لم يسمعه غيري:
"دكتورة مريم.. تأخرتِ عن جولتكِ الصباحية، المرضى في الجناح الأيمن بانتظاركِ."
نظرتُ إلى يدي الفارغة، وفجأة، لم أعد أرى القاعة ولا الأيتام ولا الحساء البارد. شعرتُ بملمس معطفٍ أبيض يلتف حول جسدي، وبالقلم الذي حُرِق في المنزل يعود ليظهر خلف أذني.
قلتُ لفوزية بهدوءٍ مريب: "اعتذري للمشرفة يا فوزية، فأنا لديّ عملية جراحية طارئة.. في الطابق الذي لا تراه عيناكِ."