خلف الفلاتربقلم صدى القارئ فصل 2

حياة الآخرين

3 دقائق قراءة · 449 كلمة

في الأيام التالية، لم يغادر السؤال رأس وسام.

كان يرافقه في كل لحظة: في العمل، في الطريق، وحتى في الصباح الباكر قبل أن تستيقظ القرية بالكامل.

من أين يأتون بكل هذه الأموال؟

في السابق، كان يدخل مواقع التواصل لتمضية الوقت فقط. يمر بين الصور بسرعة، يضحك أحيانًا، ثم يغلق الهاتف دون تفكير.

أما الآن، فقد تغيّر كل شيء.

صار يراقب، يدقق، ويقارن.

كل صورة أصبحت تترك داخله أثرًا صغيرًا، كأنها تقيس حياته دون أن تشعر.

أحدهم ينشر صورة مفاتيح سيارة جديدة مع عبارة:

"الحمد لله."

آخر يشارك صورة من المطار، حقيبة سفر بيده، وابتسامة تبدو بلا هموم.

وثالث يضع صورة لعشاء فاخر مع عائلته، بينما التعليقات تمتلئ بعبارات إعجاب ودعوات بالخير.

كان وسام يمرر الصور ببطء، ويشعر أن حياته تنكمش قليلًا مع كل منشور.

حتى وجوه الناس في القرية بدأت تبدو مختلفة في عينه.

الساعات، الهواتف، السيارات، الملابس… كل شيء صار علامة مقارنة.

وفي داخله، كان الشعور نفسه يتكرر: أنه متأخر.

في إحدى الليالي، كان جالسًا مع هناء يشاهدان التلفاز، لكن عينيه كانتا على الهاتف أكثر من الشاشة.

لاحظت هناء ذلك.

"من يوم طلعت مع أصحابك وإنت مش زي قبل."

رفع عينيه بسرعة.

"شو يعني؟"

"سارح طول الوقت… ومش مرتاح."

أغلق الهاتف ووضعه بجانبه.

"بحس الكل عم يركض لقدّام وإحنا مكانا."

سكتت هناء لحظة، ثم قالت بهدوء:

"وسام… الناس بتحب تفرجي حياتها أحسن من حقيقتها."

نظر إليها للحظة، ثم قال:

"يعني كل اللي بشوفه كذب؟"

"مش كذب… بس مش الصورة كاملة."

لم يجب.

أعاد فتح الهاتف مباشرة، وكأن الكلام لم يصل إليه بالكامل.

ظهرت أمامه صورة لشاب يعرفه منذ المدرسة، يقف أمام شقة جديدة، مبتسم بثقة.

بقي يحدق بالصورة طويلًا.

يتذكر جيدًا كيف كان هذا الشاب قبل سنوات يشكو من الديون وقلة العمل.

فكيف تغيّرت حياته بهذه السرعة؟

في اليوم التالي، وخلال استراحة العمل، جلس مع زميله رائد قرب الباب الخلفي للمحل.

كان رائد يدخن بصمت، بينما كان وسام يقلب هاتفه بتوتر خفيف.

"شو مالك؟"

رفع وسام الهاتف أمامه.

"بتعرف هاد؟"

نظر رائد إلى الصورة وهز رأسه.

"آه بعرفه."

"قبل كم سنة ما كان معه حق قهوة… واليوم شقة وسيارة."

ضحك رائد بخفة وهو يسحب نفسًا من سيجارته.

"لا تصدق كل شي بتشوفه."

"شو يعني؟"

"يعني الناس بتحب تفرجي حياتها أحسن من حقيقتها."

بقي وسام صامتًا للحظة.

ثم قال:

"بس بالنهاية معهم أشياء مش معنا."

نظر إليه رائد قليلًا، ثم قال بهدوء:

"المشكلة يا وسام مش إنك صرت تشوف حياة الناس… المشكلة إنك بطلت تشوف حياتك."

سكت وسام.

الجملة علقت داخله بقوة.

لكن بدل أن تهدّئه… زادته ضياعًا.

في تلك الليلة، تمدد وسام على السرير بينما كانت هناء نائمة بجانبه.

أما هو، فبقي مستيقظًا.

ضوء الهاتف كان يملأ الغرفة بصمت.

يمرر الصور واحدة تلو الأخرى، وكأن كل صورة تبحث عن شيء ناقص بداخله.

وحين انطفأت الشاشة، بقي يحدق في العتمة طويلًا، كأنه يحاول أن يفهم متى بدأ يفقد راحته.