سؤال ما بينساك
3 دقائق قراءة · 579 كلمة
كان الليل يهبط بهدوء على القرية، هدوء يشبه التعب أكثر مما يشبه الراحة. الشارع الرئيسي لم يبقَ فيه سوى بضع سيارات تمر بين حين وآخر، وصوت دراجة نارية بعيدة يقطع السكون ثم يختفي. المحلات الصغيرة بدأت تُطفئ أضواءها واحدة تلو الأخرى، بينما ظل المقهى القديم عند أول الدوار مفتوحًا، يستقبل من يبحثون عن مهربٍ مؤقت من ضغط يومهم.
كان وسام جالسًا على طرف الطاولة، يمسك فنجان قهوة برد منذ وقت طويل، وعيناه تائهتان بين الوجوه والكلام. حوله ضحكات خفيفة وأحاديث عن العمل، الأسعار، المدارس، والسيارات الجديدة التي بدأت تظهر في القرية وكأنها أصبحت جزءًا طبيعيًا منها فجأة.
كان برفقة اثنين من أصدقائه، وشخص ثالث لا تربطه به إلا معرفة سطحية. أربعة رجال، لكل واحد منهم حياة تبدو عادية من الخارج، لكن تحتها ضغط لا يتحدث عنه أحد.
كان أحد أصدقائه يقلب هاتفه بصمت، ثم تنهد فجأة وقال: "من وين كل العالم عم تجيب هالمصاري؟"
ضحك الآخر بخفة: "ليش؟ شو استفزك هالمرة؟"
رفع هاتفه أمامهم: "شوف… هاد مبارح كان يشتغل معنا بنفس المحل، اليوم نازل صور من تايلند. والثاني اشترى سيارة جديدة، والثالث أعلن إنه اشترى شقة."
هز رأسه بضيق وأكمل: "كل ما أفتح فيسبوك بحس حالي متأخر بالحياة."
ساد الصمت للحظات.
لم يضحك وسام هذه المرة.
بقي ساكتًا، وعيناه على فنجان القهوة البارد أمامه.
لأن الجملة أصابت شيئًا داخله.
منذ فترة، وهو يشعر أن الجميع يتحرك أسرع منه. كل من حوله يبدو وكأنه يعرف طريقه جيدًا: كيف يعمل، كيف يجمع المال، كيف يتقدم… إلا هو.
هو ليس فقيرًا، لكنه ليس مرتاحًا أيضًا. يعمل، يتعب، يدفع الفواتير، وينتظر نهاية الشهر كأنه اختبار يتكرر بلا نهاية.
رفع نظره نحو الشارع خلف الزجاج. سيارة حديثة توقفت أمام المقهى، ونزل منها شاب أصغر منه سنًا، يضحك بصوت عالٍ ويدور بمفاتيح سيارته حول إصبعه بثقة.
شعر وسام بانقباض خفيف في صدره.
ليس حسدًا مباشرًا… بل شيء أثقل.
شعور أن الحياة تمضي، وهو ما يزال في المكان نفسه.
انتهت السهرة بعد منتصف الليل بقليل. دفع كل واحد حسابه، وخرجوا إلى الشارع البارد. تبادلوا كلمات عابرة عن العمل واللقاء القادم، ثم ركب كلٌ منهم سيارته وعاد إلى بيته.
أما وسام، فكان يعود والسؤال نفسه يرافقه: من أين يأتون بكل هذه الأموال؟
طوال الطريق، كان ينظر إلى البيوت المضاءة حوله وكأنها تخفي أسرارًا لا يراها. كل بيت بدا أكثر راحة من بيته، وكل حياة بدت أفضل من حياته.
وصل أخيرًا إلى منزله.
بيت صغير بطابق واحد في طرف الحارة، أمامه شجرة زيتون قديمة زرعها والده قبل سنوات طويلة.
أطفأ السيارة، وبقي جالسًا للحظات دون حركة.
ثم تنهد ونزل.
دخل بهدوء، فوجد هناء جالسة على الكنبة، تمسك هاتفها، ينعكس ضوء الشاشة الأزرق على وجهها.
رفعت نظرها إليه: "تأخرت."
"القعدة طولت شوي."
أغلق الباب وخلع سترته ببطء. لاحظت هناء شروده فورًا.
"مالك؟"
جلس بجانبها وأسند ظهره بتعب.
سكت قليلًا ثم قال: "بتحسي الناس كلها عايشة أحسن منا؟"
نظرت إليه باستغراب: "شو يعني؟"
مرر يده على وجهه: "كل ما بشوف الناس بحسهم متقدمين عنا… سفرات، سيارات، بيوت، مشاريع. حتى ناس كنا نعرف وضعهم صاروا أحسن منا."
ابتسمت هناء ابتسامة خفيفة: "وسام… الناس بتورجيك أحسن جزء من حياتها."
هز رأسه دون اقتناع: "بس مش معقول الكل مرتاح وإحنا الوحيدين هيك."
اقتربت قليلًا وقالت بهدوء: "وإنت متأكد إنهم مرتاحين فعلًا؟"
لم يجب.
لأنه للمرة الأولى، لم يكن يملك إجابة واضحة.
في تلك الليلة، تمدد وسام على سريره، والهاتف بين يديه لساعات. صور سفر، مطاعم، سيارات، ساعات، بيوت جديدة، ووجوه تبتسم كأنها بلا تعب.
كان يمرر الصور بصمت، وكل صورة كانت تزيد شيئًا من الثقل داخله.
وحين أغلق الهاتف أخيرًا، بقي يحدق في سقف الغرفة المظلم.
كان هناك شعور جديد يتشكل داخله ببطء.
ليس الفقر…
بل الخوف من أن يكون متأخرًا عن الجميع.