فيرونيكا زهره وسط العفن
3 دقائق قراءة · 504 كلمة
ولدت "فيرونيكا" في كنف عائلة متهالكة، بيتٍ لم يكن يربطه سوى الكراهية. كان والدها رجلاً نذلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ هرب وتركها رضيعة، عاجزاً عن تحمل مسؤولية زوجة وطفلة، وكأنه يلقي بحمل ثقيل خلف ظهره. أما والدتها "كلارا"، فقد كانت امرأة يملؤها السخط؛ صبّت كل حنقها وخيباتها بعد هجر زوجها لها على طفلتها الصغيرة.
عاشتا في زقاق ضيق يسكنه الفقر وتفوح منه رائحة البؤس، في منزل قديم متهالك. كانت "كلارا" تخرج يومياً لتمارس أعمالاً مشبوهة وقذرة لتؤمن لقمة العيش المرّة، وعند عودتها، كانت جدران المنزل العفنة تشهد على مأساة صامتة.
في زاوية مظلمة، كانت تقبع طفلة في الخامسة من عمرها. ثوبها الذي كان يوماً أبيض صار بلون الفحم، شعرها المتشابك يغطي وجهها الشاحب، وجسدها الهزيل يرتجف من الجوع. كانت شفاهها المتشققة من العطش تحكي قصة حرمان لا ينتهي.
بمجرد أن دار المفتاح في القفل ودخلت "كلارا"، انكمشت فيرونيكا على نفسها، وضعت يديها الصغيرتين فوق رأسها في حركة اعتيادية، مستعدة لتلقي سيل من الضرب والركل. لكن هذه المرة، ساد صمت غريب. رفعت الطفلة بصرها بحذر، لتجد والدتها غائبة عن الوعي (بفعل سكر أو تخدير)، تلتهم الطعام بشراهة ونهم. نظرت إليها فيرونيكا بعينين دامعتين، تتوسل لقمة واحدة، لكن الأم لم تلتفت.
نهضت "كلارا" بترنح، وقبل أن تخرج قالت بصوت متقطع:
"لن أعود حتى الصباح.. لا تنتظريني."
أغلقت الباب خلفها بقسوة. زحفت فيرونيكا نحو الطاولة كقطة جائعة، لم تجد سوى بقايا رامن باردة ورشفة ماء يتيمة. نامت ليلتها على قطع من الجرائد الممزقة التي تفترش الأرض الباردة، وهي تدعو ببراءة طفولية: "يا رب.. في المرة القادمة، اجعل أمي تترك لي القليل من الطعام."
الصباح المشؤوم
استيقظت فيرونيكا في الصباح على مشهد جمد الدماء في عروقها. أمام عينيها مباشرة، كانت هناك قدمان شاحبتان تتدليان من السقف. رفعت رأسها ببطء لتجد والدتها معلقة، جسدها قد تيبس واكتسى بظلال زرقاء وبنفسجية شاحبة.
لم تصرخ فيرونيكا.. لم تبكِ. الصدمة كانت أكبر من قدرة قلبها الصغير على استيعاب الدموع. بقيت جالسة في مكانها، بينما كانت كلمات أمها القاسية تتردد في أذنيها كصدى مسموم:
"سحقاً لكِ ولوالدكِ الوغد.. كلما رأيتكِ تذكرت الخزي الذي تركه خلفه! بسبكِ فقدتُ كل شيء، يقولون إن جسدي لم يعد جميلاً بسب الإنجاب.. عليكِ أن تدفعي ثمن كل ما مررتُ به!"
مر يومان.. والطفلة محبوسة مع الجثة. لم تستطع الخروج لأن "كلارا" قبل إقدامها على الانتحار، رمت المفتاح من النافذة بعد إغلاق الباب من الداخل. بدأت رائحة الموت والتعفن تنتشر في الحي، مما أثار اشمئزاز الجيران واستياءهم، فاستدعوا الشرطة.
التدخل
وصل شرطيان إلى الباب، لكن الرائحة الكريهة كانت لا تطاق لدرجة أنهما تراجعا وهما يسعلان بقرف، وعادا إلى السيارة هرباً من الموقف. تجمهر الناس غاضبين، وبدأ شجار حاد بين الأهالي الذين سئموا الرائحة والشرطة المتخاذلة.
وفجأة، شق صوت حازم الضجيج:
"ما الذي يحدث هنا؟ ولماذا أنتما تقبعان في السيارة كالجبناء؟"
ارتبك الشرطيان وصاحا بخوف: "سيدتي الظابطة! نحن آسفون.. سننزل فوراً!"
أمرتهما بصرامة: "افتحا الباب فوراً، لنرى ما الذي يفوح من هذا المنزل!"
اقتحموا المكان، والظابطة تضع منديلاً على وجهها. المشهد كان مرعباً؛ جثة تتدلى في المنتصف، وفيرونيكا.. تلك الكومة الصغيرة من اللحم والعظام، جالسة في الزاوية، تنظر للفراغ بعينين غائرتين.
أمرت الظابطة بإنزال الجثة بلهجة حزينة، ثم خطت بخطوات هادئة نحو الطفلة التي لم تعد تشعر بشيء...