غريب في مرآة روحي
دقيقتان قراءة · 400 كلمة
غريبٌ في مرآةِ روحي
"مرت الليلة الأولى ثقيلة، كأنها دهر. في الصباح، كانت السفينة تشقّ عباب المحيط بهدوءٍ مرعب. في الدرجة الأولى، كان كل شيء يسير وفقاً للجدول: إفطارٌ صامت، نقاشاتٌ حول السياسة، ووعودٌ بمستقبلٍ مشرق لا أرى فيه نفسي أبداً."
"حاولتُ التهرب من (إدوارد) الذي كان يلاحقني بحديثه عن القصر الذي يشيده لنا في نيويورك. كنتُ أبتسم له بآلية، بينما كان عقلي هناك.. في تلك الزاوية البعيدة من السطح حيث رأيتُ ذلك الشاب."
"في المساء، وبحجة الصداع، تسللتُ مجدداً. كنتُ أرتدي وشاحاً طويلاً من الحرير ليخفي فستاني الباذخ. مشيتُ نحو المنطقة التي تفصل بين الدرجات.. وهناك، وجدته. كان يجلس في نفس المكان، لكن هذه المرة كان يوزع الضحكات على مجموعة من الأطفال حوله، ويرسم لهم طيوراً كأنها ستطير من الورقة."
وقفتُ بعيداً أراقبه، حتى التفت إليّ فجأة وقال بصوتٍ واثق:
— "الآنسة الجميلة عادت مجدداً.. هل تهربين من الذهب، أم تبحثين عن شيءٍ أضاعته منكِ الريح؟"
قلتُ بحدة أحاول فيها استعادة كبريائي:
— "أنا لا أبحث عن شيء، فقط كنتُ أشمّ الهواء. ومن سمح لك بمخاطبتي هكذا؟"
ضحك بخفة، وقام من مكانه ليقترب من السياج الفاصل بيننا:
— "اسمي (زين). أما من سمح لي.. فهو هذا المحيط الذي لا يفرق بين ابن ملك وابن بحار. أنتِ هنا يا آنسة تبدين كعصفورٍ في قفصٍ من الماس.. جميل، لكنه لا يعرف الطيران."
"كلماته كانت كالصفعة، دقيقة وموجعة. اقتربتُ منه أكثر، حتى لم يعد بيننا إلا قضبان الحديد الباردة. نظرتُ في عينيه مباشرة، لم أجد فيهما خوفاً ولا انبهاراً بمكانتي، بل وجدتُ (حرية) كنتُ أحسده عليها."
سألته بهدوء هذه المرة:
— "ماذا ترسم في دفترك يا زين؟"
فتح الدفتر وأراني لوحة لم تكتمل:
— "أرسم (الأرواح). ملامح الناس هنا مزيفة، لكن عيونهم تحكي الحقيقة. رسمتُكِ بالأمس.. هل تريدين رؤية كيف يراكِ الغرباء؟"
"قلبي كان يدق بعنف. مدّ لي الدفتر عبر القضبان، ورأيتُ نفسي. لم أرسم كآنسة أرستقراطية، بل كنتُ فتاةً تنظر إلى الأفق بلهفة، وكأنها تنتظر معجزة لتنقذها. في تلك اللحظة، أحسستُ أن هذا الغريب يعرفني أكثر مما يعرفني والدي الذي عاش معي عشرين عاماً."
فجأة، سمعتُ صوت خطوات إدوارد تنادي اسمي من بعيد..
قلتُ بهمس مضطرب:
— "يجب أن أرحل.. سأعيد لك الدفتر لاحقاً."
ردّ عليّ بابتسامة غامضة وهو يتراجع للخلف:
— "احتفظي به يا ليان.. ربما تحتاجين لتذكري مَن أنتِ فعلاً، قبل أن تبتلعكِ قصور نيويورك."
"ركضتُ عائدةً وقلبي يكاد يقفز من صدري. أخفيتُ الدفتر تحت وسادتي، وشعرتُ بدفءٍ غريب يتسلل إلى أعماقي. لم تكن مجرد رحلة، بل كانت بداية لمعركة بين ما يجب أن أكونه.. وبين ما أريده حقاً."