زائر الفجر والمسدس البارد
8 دقائق قراءة · 1,567 كلمة
في الظلام، تتحول الحواس إلى رادارات بدائية. تجمد آدم في مكانه داخل "الغرفة المعلقة"، وقد التصق ظهره بالجدار المبطن بالفلين. انطفاء المصباح لم يكن مجرد عطل فني؛ بل بدا وكأنه إعلان بدء كابوس. في الطابق السفلي، توقف صوت الخطوات للحظة، ثم عاد ليتردد مجدداً، أثقل وأقرب هذه المرة. الصوت لم يكن عشوائياً؛ كان منتظماً، واثقاً، صوت حذاء عسكري ثقيل يطحن الغبار والزمن المتراكم على الدرج الخشبي. كرررريك... كرررريك...
حاول آدم استجماع شتات عقله الهندسي. الدرج الرئيسي يتكون من عشرين درجة. الدرجة السابعة والثالثة عشرة تصدران صريراً مميزاً بسبب تآكل الدعامات السفلية. سمع الصرير الأول. الدرجة السابعة. الدخيل أصبح في منتصف الطريق.
مد آدم يده المرتعشة في العتمة، وتحسس سطح المكتب المعدني. لم يكن يفكر بوضوح، كانت غريزة البقاء هي من تقود أصابعه. لمس الظرف الأصفر المحتوي على رسالة والده ودسه في جيب سترته الداخلي بعنف أدى لتمزق طرفه. ثم تحسست يده المعدن البارد.. المسدس. لم يسبق لآدم أن حمل سلاحاً في حياته. ثقله فاجأه. كان بارداً كقطعة ثلج، ورائحته تشبه رائحة الزيت المحروق. قبض عليه، لكنه كاد يسقطه من فرط تعرق كفه.
الدرجة الثالثة عشرة. الدخيل وصل إلى الطابق العلوي.
رأى آدم شعاع ضوء أبيض قوي يمسح الرواق الخارجي عبر الفجوة التي أحدثها في الجدار. كان الضوء يتحرك ببطء وحذر، يتفحص الأبواب المغلقة، واللوحات المغطاة، والأرضية. أدرك آدم الحقيقة المرعبة: الدخيل سيرى الحطام. سيرى الطوب المتناثر، والخشب المكسور، والفجوة السوداء التي تصرخ بوجود شخص ما هنا.
"فكر يا آدم.. فكر كمهندس"، همس لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع. "أنت في فخ. مخرج واحد، وهو مسدود." جال ببصره في الغرفة الضيقة بحثاً عن أي شيء.. فتحة تهوية، ممر سري آخر، أي معجزة. لكن الجدران كانت صماء. عاد الضوء ليقترب من باب المكتب. في تلك اللحظة، لمعت في ذهن آدم فكرة مجنونة، وليدة اليأس. حمل "صندوق الموسيقى" الثقيل من على المكتب، وبكل ما أوتي من قوة، قذفه نحو الزاوية البعيدة للغرفة، خلف كومة من الخرائط القديمة المكدسة على الأرض.
طاخ! ارتطام الصندوق بالأرض أحدث ضجة مكتومة. توقف شعاع الضوء في الرواق فجأة، ثم تحرك بسرعة نحو مصدر الصوت.. نحو الفجوة. في تلك الثانية التي ركز فيها الدخيل انتباهه وضوءه نحو عمق الغرفة ليستكشف مصدر الصوت، استغل آدم معرفته بمخطط الغرفة. انزلق بصمت ورشاقة غير معهودة ليختبئ خلف المكتب المعدني، حشراً جسده في المساحة الضيقة بين المكتب والجدار الجانبي، في المنطقة الميتة التي لا يصلها الضوء المباشر إلا إذا دخل الشخص وتجول في الغرفة.
ظهر ظل ضخم عند مدخل الفجوة. رجل طويل القامة، يرتدي معطفاً واقياً من المطر أسود اللون، وقبعة تخفي ملامحه. بيده اليمنى مصباح تكتيكي، وفي اليسرى مسدس مزود بكاتم للصوت بدا طويلاً ومرعباً. دخل الرجل الغرفة. حذاؤه سحق شظايا الطوب. حبس آدم أنفاسه حتى كاد صدره ينفجر. كان يرى حذاء الرجل على بعد متر واحد من وجهه. تحرك ضوء المصباح ليمسح الجدران، الخرائط، المكتب الذي يختبئ آدم خلفه.. ثم استقر الضوء على الزاوية البعيدة حيث سقط صندوق الموسيقى.
تقدم الرجل نحو الصندوق. هذه هي فرصته الوحيدة. بينما كان ظهر الرجل لآدم، زحف المهندس خارج مخبئه بصمت القطط. لم يحاول الهجوم، بل الهروب. انسل عبر الفجوة إلى المكتب الخشبي، ومنه إلى الرواق. لكن، وكأن القدر يرفض أن يمر الأمر بسهولة، داست قدم آدم على قطعة خشب صغيرة مكسورة. طرق! صوت تكسر الخشب كان بمثابة رصاصة في سكون الليل. انتفض الرجل في الداخل واستدار بسرعة البرق. "توقف!" صرخ بصوت أجش.
لم ينتظر آدم. انطلق يجري في الرواق كالمجنون. سمع صوت "بفت" خافت، تلاه صوت ارتطام شيء خشبي بجانب أذنه وتطاير الشظايا. رصاصة بكاتم صوت أخطأت رأسه بسنتيمترات. قفز آدم فوق درابزين الدرج، متجاوزاً الدرجات السبع الأولى في قفزة انتحارية كادت تكسر كاحله، ثم تدحرج على باقي الدرجات وصدم بالباب الرئيسي. فتح الباب واندفع إلى الخارج، حيث المطر المنهمر والظلام الحالك. انزلق في الطين، وسقط على وجهه، لكنه نهض فوراً والوحل يغطي عينيه وفمه.
ركض نحو سيارته الجيب المركونة عند أسفل التلة. كانت المسافة تبدو لانهائية. خلفه، ظهر الرجل عند باب القصر، ورفع مسدسه وصوب بهدوء القناصين. وصل آدم إلى السيارة. يده المرتعشة أسقطت المفاتيح في الطين. "اللعنة! اللعنة!" صرخ بذعر. تحسس الطين بأصابعه بجنون.. لمس المعدن. التقط المفتاح، فتح الباب، وأدار المحرك. هدر المحرك بقوة. داس على دواسة الوقود بعنف، فانحرفت السيارة، وتناثر الحصى والطين، قبل أن تنطلق مبتعدة عن القصر. نظر في المرآة الخلفية. لم يرَ أحداً يلحق به، لكنه رأى ضوء المصباح اليدوي يراقبه من شرفة القصر، ثابتاً وبارداً كعين لا تنام.
بعد ساعتين من القيادة الهستيرية، هدأت دقات قلب آدم قليلاً، لكن عقله كان لا يزال يغلي. توقف في محطة وقود مهجورة على أطراف العاصمة. غسل وجهه بماء بارد في دورة مياه قذرة، ونظر إلى انعكاسه في المرآة المكسورة. كان وجهه شاحباً كالأموات، وعيناه متسعتين بذهول. تحسس جيبه. الرسالة ما تزال هناك. وتحسس خصره.. المسدس محشور في حزامه، بارد وثقيل. "ماذا فعلت يا أبي؟ في أي جحيم ألقيتني؟"
أخرج هاتفه. البطارية ١٥٪. اتصل بزياد. الرنة الأولى.. الثانية.. الثالثة.. "آدم؟ هل تعلم كم الساعة الآن؟" جاء صوت زياد ناعساً ومبحوحاً. "إذا لم تكن جثة أو في السجن، سأقتلك بنفسي لإيقاظي." "زياد.. أنا قادم إليك." قال آدم بصوت مرتجف لم يستطع إخفاءه. "افتح الباب، وجهز القهوة.. وربما زجاجة كحول." صمت زياد للحظة، وتغيرت نبرته فوراً إلى الجدية: "أنت بخير؟ صوتك لا يعجبني." "لست بخير. ولست وحدي." "ماذا تعني؟" "أعني أن الماضي الذي نسيناه.. قرر أن يزورنا الليلة."
شقة زياد كانت تقع في حي "وسط البلد" القديم، في بناية تعود للسبعينات، بشرفات تطل على شوارع ضيقة مزدحمة دائماً بالسيارات والقطط الضالة. دخل آدم الشقة التي كانت، كالعادة، خليطاً من الفوضى المنظمة. ملفات قضايا مكدسة على طاولة الطعام، بقايا وجبات سريعة، وبذلة رسمية باهظة الثمن ملقاة بإهمال على الأريكة. زياد، شاب ممتلئ الجسم قليلاً، بشعر أشعث ونظارة طبية سميكة، كان يقف وسط الصالة بقميص نوم وسروال قصير، حاملاً مضرب بيسبول بيده.
"أين هو؟ من يلاحقك؟" سأل زياد وهو ينظر خلف آدم نحو الباب المفتوح. أغلق آدم الباب وأقفل المزلاج والمفتاحين الإضافيين. "لا أحد يتبعني الآن.. أظن ذلك." رمى آدم بجسده المنهك على الأريكة، وسحب المسدس من خصره ووضعه على الطاولة الزجاجية أمامه. تراجع زياد خطوتين للخلف، وكادت عيناه تخرجان من محجريهما. "يا إلهي! هل سرقت بنكاً؟ هل قتلت أحدهم؟ آدم، أنا محامٍ في قضايا تجارية، لست محامي مافيا!"
تجاهل آدم هلع صديقه، وأخرج الرسالة الممزقة والصورة الفوتوغرافية. "وجدت غرفة سرية في بيت والدي،" قال آدم بصوت خافت. "وهذا ما كان بداخلها." اقترب زياد بحذر، جلس على طرف المقعد المقابل، وعيناه تتنقلان بين المسدس ووجه صديقه الشاحب. "غرفة سرية؟ والدك حسين؟ الرجل الذي كان يخاف من مخالفات السير؟"
أخذ زياد الصورة أولاً. تفحصها تحت ضوء المصباح. "هذا والدك، نعم.. أصغر سناً، يبدو وسيماً.." ثم توقف إصبعه عند الرجل الآخر في الصورة. ضيق زياد عينيه، وعدل نظارته. "آدم.. هل تعرف من هذا؟" "رأيت الوشم على يده في التلفاز.. إنه مراد الغندور." أطلق زياد صفيراً طويلاً. "مراد الغندور.. ليس مجرد رجل أعمال. إنه "الغول" كما يسمونه في أروقة المحاكم. يملك نصف شركات الإنشاءات في البلد، والنصف الآخر يخاف منه. إذا كان والدك صديقاً لهذا الرجل، فلماذا مات مديوناً؟"
"اقرأ الرسالة،" قال آدم. فتح زياد الظرف الممزق، وأخرج الورقة المصفرة. قرأ بصمت، وتغيرت ملامح وجهه من الفضول إلى القلق العميق. "إلى آدم.. إذا كنت تقرأ هذا، فأنا قد فشلت..." قرأ زياد بصوت مسموع، ثم توقف عند الفقرة الأخيرة التي لم يقرأها آدم في الغرفة المظلمة.
أكمل زياد القراءة وعيناه تتسعان: "... الصندوق الموسيقي ليس مجرد لعبة. إنه يحوي المفتاح. ليس مفتاحاً لباب، بل مفتاحاً لذاكرة أمة كاملة سُرقت في عام ١٩٩٠. مراد سيبحث عنه، وسيحرق الأرض ليجده. لا تثق بأحد يا بني.. إلا بمن يستطيع قراءة ما بين السطور. ابحث عن "اليمامة". هي الوحيدة التي تعرف كيف تستنطق الصمت."
نظر زياد إلى آدم. "اليمامة؟ هل هي شيفرة؟" مسح آدم وجهه بيده، محاولاً استرجاع ذكريات طفولته. "لا أعرف.. أبي لم يكن يتحدث بالألغاز. كان رجلاً مباشراً." فجأة، انتفض آدم واقفاً. "لحظة! اليمامة... في الجامعة، حين كنت أواعد سارة، كان أبي يناديها دائماً بـ "اليمامة" لأنها كانت ترتدي قلادة فضية على شكل يمامة." "سارة؟" صاح زياد، "سارة العطار؟ حبيبتك التي تركتها قبل خمس سنوات وسافرت؟ باحثة الأرشيف؟" "نعم.. هي." "أنت تمزح،" ضرب زياد كفاً بكف. "نحن بحاجة لفك لغز تاريخي، ووالدك يطلب منك العودة لحبيبتك السابقة التي -للتذكير فقط- تكرهك لأنك كسرت قلبها لتسافر في منحة دراسية؟ هذا انتحار من نوع آخر يا صديقي."
صمت آدم. كان يعلم أن زياد محق. مواجهة سارة قد تكون أصعب من مواجهة الرجل ذو المعطف الأسود. لكنه تذكر شيئاً آخر. "زياد.. الرجل الذي هاجمني في القصر. كان يرتدي خاتماً يحمل شعاراً غريباً.. عقرب أسود داخل مثلث." شحب وجه زياد تماماً، وسقط مضرب البيسبول من يده. "ماذا قلت؟ عقرب في مثلث؟" "نعم.. لماذا؟" ابتلع زياد ريقه بصعوبة. "لأنني رأيت هذا الشعار أمس.. في ملف قضية غسيل أموال رفضت استلامها لأن المحامي السابق فيها وُجد منتحراً في مكتبه."
ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت صفارات إنذار بعيدة في شوارع المدينة. نظر آدم إلى المسدس، ثم إلى زياد، ثم إلى النافذة المظلمة. "لم يعد هناك مجال للتراجع، يا زياد. نحن الآن في اللعبة." "نحن؟" سأل زياد بابتسامة عصبية، "أنا مجرد محامٍ يحب البيتزا.. لماذا ورطتني معك؟" "لأنك الوحيد الذي لن يبيعني لمراد الغندور." تنهد زياد باستسلام، والتقط هاتفه. "حسناً.. إذا كنا سنموت، فلنمت ونحن نحاول. سأبحث عن عنوان سارة الجديد. لكن آدم.." "ماذا؟" "تلك الرصاصة التي أخطأت رأسك الليلة.. كانت مجرد تحذير. الرجال الذين يحملون شعار العقرب لا يخطئون أهدافهم إلا إذا أرادوا ذلك."
في تلك اللحظة، رن هاتف آدم. رقم مجهول. نظر الاثنان إلى الهاتف بخوف. فتح آدم الخط، ووضع مكبر الصوت. جاء صوت هادئ، آلي، ومغير إلكترونياً: "السيد آدم.. نأمل أن تكون استمتعت بزيارتك القصيرة للقصر. لقد نسيت شيئاً مهماً لدينا. ونحن أيضاً.. نريد شيئاً منك. لديك ٢٤ ساعة لتسليم الصندوق الموسيقي، وإلا.. سنسأل الآنسة سارة عنه بطريقتنا الخاصة." انقطع الاتصال. نظر آدم إلى زياد، وعيناه تشتعلان بغضب بارد حل محل الخوف. "لقد ذكروا اسمها." "إذاً،" قال زياد وهو يمسح العرق عن جبينه، "علينا أن نصل إليها قبلهم. والآن."