صدى خلف الجدار الصامت
8 دقائق قراءة · 1,493 كلمة
كان المطر ينقر على زجاج سيارة الدفع الرباعي بإيقاع رتيب وممل، يشبه إلى حد بعيد تلك المحادثات الطويلة التي كان آدم يضطر لخوضها مع والده في سنواته الأخيرة. أطفأ آدم المحرك، لكنه لم يترجل فوراً. بقي جالساً خلف المقود، يحدق عبر الزجاج المضبب نحو الكتلة الحجرية الداكنة التي تربض فوق التلة مثل وحش عجوز يرفض الموت.
"قصر البارون"... هكذا كان يُسميه أهل القرية المجاورة، رغم أنه لم يكن قصراً بالمعنى الحقيقي، ولم يسكنه بارون قط. كان مجرد فيلا ريفية ضخمة تعود لثلاثينيات القرن الماضي، بواجهة تآكلت ملامحها بفعل الرطوبة، ونوافذ طويلة تشبه عيوناً فارغة تحدق في الفراغ.
تنهد آدم، وزفر الهواء الساخن ليرسم غيمة صغيرة تلاشت بسرعة. نظر إلى انعكاس وجهه في المرآة؛ عينان بنيتان يكسوهما تعب مزمن، وخطوط دقيقة بدأت ترتسم حول فمه، وشعر أسود بدأ الشيب يغزو جانبيه مبكراً. في الثانية والثلاثين من عمره، كان يشعر أنه عاش عمرين. كمهندس ترميم، قضى حياته يحاول إصلاح ما أفسده الزمن في المباني، لكنه عجز تماماً عن ترميم الشرخ الصامت الذي كان بينه وبين والده الراحل، "حسين".
فتح الباب، فلفحته رياح تشرين الباردة، حاملة معها رائحة التراب المبلل والصنوبر. سحب حقيبته الجلدية الثقيلة التي تحتوي على أدوات القياس ومخططات البناء، وخطا أولى خطواته نحو الإرث الثقيل الذي تركه له والده.
"لماذا هذا المنزل بالذات يا أبي؟" تمتم آدم وهو يصعد الدرجات الحجرية المتصدعة. "كنت موظفاً في الأرشيف، راتبك بالكاد يكفينا، فكيف اشتريت هذا الخراب؟ ولماذا؟"
كانت الأسئلة تدور في رأسه منذ أسبوع، منذ تلك اللحظة التي سلمه فيها المحامي مفتاحاً قديماً ووثيقة ملكية. لم يكن يعلم أن والده يملك عقاراً، ناهيك عن كون العقار في منطقة جبلية نائية تبعد ثلاث ساعات عن صخب العاصمة.
أدار المفتاح في القفل الصدئ. قاوم الباب قليلاً، وكأنه يرفض استقبال زواره، ثم انفتح بصرير طويل ومزعج تردد صداه في الأرجاء. الدخول إلى المنزل كان أشبه بالدخول إلى كبسولة زمنية. رائحة الغبار القديم، الخشب المتعفن، والورق المصفر كانت تملأ المكان.
أضاء آدم مصباحه اليدوي القوي، فشق النور عتمة البهو الواسع. الأثاث كان مغطى بشراشف بيضاء اكتست باللون الرمادي، والثريا الكريستالية المتدلية من السقف بدت مثل عنكبوت زجاجي ضخم. تحرك آدم بعين المهندس الخبير لا بعين المالك الجديد. مسح بضوئه الزوايا العلوية للجدران، متفحصاً الشقوق.
"تصدعات إنشائية في الزاوية الشمالية، رطوبة متقدمة في الجدار الغربي، الأرضية الخشبية تحتاج لاستبدال كامل..." كان يهمس بتشخيصه المبدئي بصوت مسموع، محاولاً طرد شبح الوحدة. قراره كان واضحاً: سيقوم بترميم الأساسيات الضرورية لجعله صالحاً للسكن الآمن، ثم يعرضه للبيع بأسرع وقت ممكن. لا مكان للعاطفة هنا. هذا المنزل هو مجرد فصل أخير غامض في حياة والده، ويريد إغلاقه للأبد.
وضع حقيبته على طاولة خشبية وسط القاعة، وأخرج منها مخططات البناء الأصلية التي عثر عليها في صندوق ودائع والده. كانت مخططات قديمة، مرسومة بالحبر الأزرق الباهت، وتعود لعام 1945. فرد المخطط على الطاولة، وثبته بقطعتين من الحجر الجيري وجدهما على الأرض. أخرج جهاز القياس بالليزر (Laser Distance Meter)، وبدأ عمله.
كان آدم يعشق الهندسة لأنها لا تكذب. الأرقام هي الحقيقة الوحيدة الثابتة في عالم متغير. واحد زائد واحد يساوي اثنين. الجدار الحامل يجب أن يكون بسماكة معينة. الزاوية القائمة هي تسعون درجة، لا أكثر ولا أقل. في عالمه، كل شيء قابل للتفسير والقياس.
بدأ بقياس أبعاد "الصالون" الكبير. وجه شعاع الليزر الأحمر نحو الجدار المقابل. "اثنا عشر متراً وخمسون سنتيمتراً"، قرأ الرقم وسجله على دفتره. طابق الرقم مع المخطط.. "مطابق".
انتقل إلى الممر المؤدي للمطبخ والمكتبة. القياسات كانت دقيقة. البناء، رغم تهالكه، كان مصمماً ببراعة هندسية مذهلة. وصل آدم إلى الطابق الثاني، حيث تقع غرفة النوم الرئيسية ومكتب صغير في نهاية الرواق. دخل المكتب. كانت غرفة كئيبة، بجدران مغطاة بألواح خشبية داكنة من خشب الجوز، ومدفأة حجرية مغلقة.
نظر إلى المخطط الهندسي مرة أخرى. الورقة تشير إلى أن طول الرواق العلوي يجب أن يكون عشرة أمتار تماماً، وينتهي بجدار المكتب. وقف في بداية الرواق ووجه الليزر. الجهاز أصدر صفيراً قصيراً وأظهر الرقم: "ثمانية أمتار وستون سنتيمتراً".
قطب آدم حاجبيه. "مستحيل". أعاد القياس مرة أخرى. نفس النتيجة. هناك متر وأربعون سنتيمتراً مفقودة. هل أخطأ المهندس الذي رسم المخطط قبل سبعين عاماً؟ نادراً ما يحدث ذلك في قصور كهذه. هل تم تعديل البناء لاحقاً؟
بدأ آدم يتحرك بتوتر وحماسة في آن واحد. حماسة المهندس الذي وجد لغزاً رياضياً. دخل إلى المكتب مرة أخرى. قاس أبعاد الغرفة من الداخل. ثم خرج وقاس الجدار الخارجي للمنزل من الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية. أجرى عملية حسابية سريعة في ذهنه، ثم كتبها على الورقة. سمك الجدران الخارجية ستون سنتيمتراً. الجدران الداخلية عشرون. النتيجة كانت صارخة وغير قابلة للشك: هناك فراغ معماري غير مبرر يقع خلف الجدار الخشبي للمكتب مباشرة. مساحة بحجم غرفة صغيرة، لا يوجد لها باب، ولا نافذة، ولا تظهر في المخططات الحديثة، لكن المخطط القديم يُظهر أن الرواق كان يجب أن يمتد عبرها.
"لماذا يقطع أحدهم الرواق ويبني جداراً ليخلق مساحة ميتة؟" سأل نفسه. اقترب آدم من الجدار الخشبي في المكتب. مرر أصابعه الطويلة المتحسسة على ألواح خشب الجوز المزخرفة. الخشب كان بارداً، ورائحة الورنيش القديم تفوح منه. طرق بمقبض يده على الخشب. توك.. توك.. توك.. الصوت كان مكتوماً وثقيلاً، مما يعني وجود جدار صلب خلف الخشب. تحرك خطوة لليسار، وطرق مجدداً. توك.. توك.. توك.. نفس الصوت. تحرك خطوة أخرى نحو الزاوية القصوى، حيث تلتقي خزانة الكتب بالجدار. طرق بقوة أكبر. بوم.. بوم.. تغير الصوت. كان هناك صدى خفيف. رنين أجوف لا يدركه إلا من اعتاد سماع لغة المواد. هناك فراغ خلف هذه الألواح.
شعر آدم بقشعريرة سارت في ظهره، ليس خوفاً، بل إحساس غريزي بأن هذا الاكتشاف ليس مجرد "تعديل معماري". تذكر كلمات والده الغامضة في المشفى قبل يومين من وفاته، حين كان يهذي تحت تأثير المسكنات: "يا آدم.. لا تترك الظل يبتلع البيت.. ابحث عن الصمت.. الصمت هو المفتاح." هل كان يقصد هذا؟ هل هذا هو "الصمت"؟ فراغ مغلق بالأسمنت والخشب؟
رن هاتفه فجأة، ممزقاً سكون اللحظة، فانتفض قلبه في صدره. أخرج الهاتف من جيبه. الاسم المضيء على الشاشة كان "زياد". صديقه المحامي، والشخص الوحيد الذي يعلم بوجوده هنا. تجاهل الاتصال. لم يكن في مزاج يسمح له بسماع نكات زياد أو تذكيره بالديون المتراكمة على المكتب الهندسي. وضع الهاتف على الطاولة، وعاد يركز بصره على الجدار.
"عليّ أن أعرف"، قالها بصوت حازم. نزل مسرعاً إلى الطابق السفلي، حيث ترك حقيبة العدة الثقيلة. عاد وهو يحمل مطرقة ثقيلة (Sledgehammer) وإزميلاً فولاذياً طويلاً. وقف أمام الجدار الخشبي الجميل. لبرهة، شعر بالذنب لتدمير هذا العمل الحرفي المتقن، لكن فضوله كان أقوى من احترامه للفن.
أدخل الإزميل في الشق الفاصل بين لوحين من الخشب، وضرب بالمطرقة ضربة خفيفة. تكسر الورنيش وتطايرت شظايا الخشب. ضرب بقوة أكبر، فانخلع اللوح الخشبي بصرخة تمزق حادة، كاشفاً وراءه جداراً من الطوب الأحمر، يختلف تماماً عن الحجر المستخدم في باقي المنزل. "طوب حديث نسبياً..."، تمتم آدم. "هذا الجدار بُني في التسعينات، وليس مع بناء المنزل الأصلي."
تسارع تنفسه. هذا يعني أن والده، أو شخصاً ما في عهده، هو من بنى هذا الجدار. رفع المطرقة الثقيلة بكلتا يديه، وشد عضلات ذراعيه وكتفيه. وجه ضربة قوية نحو الطوب الأحمر. كرااااش! تناثر الغبار الأحمر في الهواء، وسقطت قطع من الطوب على الأرضية الخشبية. أحدثت الضربة فجوة صغيرة بحجم قبضة اليد. توقف آدم ليلتقط أنفاسه، والعرق يتصبب على جبينه رغم برودة الجو. اقترب من الفجوة ووجه ضوء المصباح إلى الداخل.
الهواء الذي خرج من الفجوة لم يكن فاسداً كما توقع. كان بارداً، جافاً، ويحمل رائحة غريبة.. رائحة شمع محترق وعطر نسائي قديم جداً، وشيء آخر يشبه رائحة المعادن. وسع الفجوة بضربات متتالية ومحمومة، حتى أصبحت تتسع لمرور جسده. وضع المطرقة جانباً، ومسح الغبار عن وجهه بكم قميصه، ثم التقط المصباح ودخل بحذر إلى "الغرفة المعلقة".
لم تكن غرفة فارغة. حبس آدم أنفاسه، وتجمدت عيناه مما رأى. كانت الغرفة صغيرة، لا تتجاوز الثلاثة أمتار مربعة، بلا نوافذ. الجدران مغطاة بالفلين العازل للصوت. في المنتصف، كان هناك مكتب حديدي صغير، وكرسي واحد يبدو وكأنه لم يتحرك من مكانه منذ عقود. على المكتب، لم يكن هناك مال أو سبائك ذهبية. كان هناك جهاز لاسلكي عسكري قديم مغطى بالغبار، خريطة ضخمة لمدينة العاصمة معلقة على الجدار ومثبت عليها دبابيس حمراء وسوداء، وفي الوسط تماماً.. صندوق خشبي مطعم بالصدف، مفتوح جزئياً.
اقترب آدم من الصندوق بخطوات مرتجفة. كان قلبه يدق بعنف في أذنيه وكأنه طبول حرب. مد يده المرتعشة نحو الصندوق. بداخل الصندوق، وتحت طبقة رقيقة من المخمل الأحمر المتآكل، استقرت مسدسات سوداء لامعة من طراز قديم، وبجوارها صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. رفع الصورة، وسلط الضوء عليها. كانت صورة لمجموعة من الرجال يقفون أمام مبنى المتحف الوطني.. تعرف فوراً على الشاب الواقف في أقصى اليمين، بابتسامته الخجولة ونظارته الطبية الكبيرة. "أبي؟" همس آدم بصدمة. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في رؤية والده شاباً، بل في الشخص الذي كان يضع ذراعه حول كتف والده في الصورة، ويحمل نفس الوشم المميز على ظهر يده.. وشم العقرب الصغير.
تذكر آدم ذلك الوشم جيداً. لقد رآه قبل شهر واحد فقط، على يد أحد أكبر رجال الأعمال الذين ظهروا في التلفاز يتحدثون عن "النزاهة والوطنية". وقبل أن يستوعب عقله الرابط المستحيل بين والده الموظف البسيط وهذا الرجل الخطير، لمح شيئاً آخر أسفل المسدسات في الصندوق. ظرف أصفر مختوم بالشمع الأحمر، كُتب عليه بخط والده المرتجف عبارة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروق آدم:
"إلى آدم.. إذا كنت تقرأ هذا، فأنا قد فشلت، والآن جاء دورك لتكمل الهرب.. أو لتبدأ الحرب."
وفي تلك اللحظة، انطفأ ضوء المصباح اليدوي فجأة، وغرق آدم في ظلام دامس داخل الغرفة المعزولة، بينما تناهى إلى سمعه صوت خطوات ثقيلة وبطيئة تصعد الدرج الخشبي في الطابق السفلي.. خطوات ليست له، وليست لصدى المطر.
شخص ما كان في المنزل معه.