صدى الخطوات القديمة
4 دقائق قراءة · 800 كلمة
لم يأتِ النوم بسهولة تلك الليلة، فقد ظل يوسف جالسًا أمام حاسوبه لفترة طويلة يحاول أن يكتب شيئًا مفيدًا لكنه كان يمسح كل ما يكتبه بعد ثوانٍ قليلة، وكأن الكلمات نفسها ترفض أن تخرج في هذا المكان، ومع مرور الوقت بدأ يشعر بثقل غريب في رأسه لا يشبه التعب العادي بل يشبه التوتر الذي يتراكم دون سبب واضح، فترك الحاسوب جانبًا وأسند ظهره إلى الأريكة محاولًا أن يهدئ أفكاره.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والبيت غارق في صمت عميق لا يقطعه سوى صوت الرياح خارج النوافذ وهي تمر بين الأشجار المحيطة فتجعلها تحتك ببعضها بإيقاع متقطع يشبه الهمس البعيد، أما داخل البيت فكان الصمت مختلفًا، ليس صمت راحة بل صمت ثقيل يضغط على الأذن وكأنه ينتظر شيئًا لم يحدث بعد.
نهض يوسف واتجه إلى المطبخ ليحضر كوب ماء فقط ليكسر هذا الإحساس، ثم عاد وجلس من جديد أمام الحاسوب محاولًا أن يستعيد تركيزه، لكنه كلما حدق في الشاشة شعر أن أفكاره تبتعد أكثر، وكأن البيت نفسه يسحب انتباهه بعيدًا عن كل شيء آخر، حتى الكتابة التي جاء من أجلها بدأت تبدو غير مهمة في هذه اللحظة.
وبينما كان يحاول إجبار نفسه على الاستمرار، سمعه.
في البداية كان الصوت خفيفًا جدًا لدرجة أنه ظن أنه مجرد وهم أو نتيجة توتر، لكن بعد ثوانٍ قليلة تكرر الصوت مرة أخرى بشكل أوضح، وكان هذه المرة لا يمكن تجاهله، صوت خطوة واحدة جاءت من الأعلى، ثم تبعتها خطوة ثانية ببطء شديد، ثم خطوة ثالثة جعلت جسده يتجمد في مكانه دون حركة.
رفع رأسه ببطء شديد وهو يصغي، وكانت عيناه تتجهان نحو السقف وكأنهما يحاولان اختراقه، لأن الصوت كان يأتي من الطابق العلوي بشكل واضح، خطوات منتظمة وبطيئة وكأن شخصًا ما يسير فوق أرضية خشبية قديمة دون أي استعجال، لكن ما جعل الأمر أكثر غرابة هو انتظام الخطوات وكأنها ليست عشوائية بل مقصودة.
حاول أن يقنع نفسه أن هناك تفسيرًا بسيطًا، ربما تمدد في الخشب بسبب البرودة، أو ربما صوت الرياح الذي يتلاعب بالأبواب، أو أي سبب آخر يمكن للعقل أن يتمسك به ليهرب من الفكرة الحقيقية، لكنه رغم ذلك كان يعرف في داخله أن هذه التفسيرات لا تبدو صحيحة بالكامل.
توقف عن الحركة تمامًا وبقي يستمع فقط، وكل خطوة كانت تقترب وكأنها تتحرك داخل الطابق العلوي نفسه، حتى أصبح الصوت واضحًا جدًا، خطوات تسير ثم تتوقف ثم تعود للسير مرة أخرى، وكأن شخصًا ما يتجول هناك دون هدف واضح، أو كأنه يبحث عن شيء في الظلام.
شعر يوسف بانقباض في صدره، لكنه رغم ذلك نهض ببطء شديد، وأمسك بالمصباح اليدوي الذي كان على الطاولة، وبقي واقفًا لثوانٍ ينظر نحو السلم المؤدي إلى الأعلى، وكأن داخله صراع بين أن يبقى في مكانه أو يصعد ليتأكد مما يحدث، لكن الصوت لم يتوقف، بل استمر وكأنه يدعوه للصعود.
بدأ يتحرك نحو السلم بخطوات بطيئة، وكلما اقترب كان صوت الخطوات في الأعلى يتباطأ قليلًا وكأنه ينتبه لحركته، حتى وصل إلى أول درجة ووضع قدمه عليها، وفي نفس اللحظة تمامًا توقفت كل الأصوات في الأعلى بشكل مفاجئ وكامل، وكأن الطابق العلوي أصبح فجأة فارغًا تمامًا.
تجمد مكانه للحظة وهو يستمع للصمت، صمت مختلف تمامًا عن قبل، صمت لا يحمل أي أثر للحركة، لكنه كان يعلم أن شيئًا ما كان هناك قبل ثوانٍ فقط، لذلك أكمل صعوده رغم الشعور الثقيل في صدره.
صعد الدرج بالكامل ووصل إلى الممر العلوي، ثم وجه ضوء المصباح أمامه، فظهر ممر طويل يمتد في الظلام مع أبواب مغلقة على الجانبين، وبقي واقفًا للحظات يحاول أن يلتقط أي صوت جديد، لكن كل شيء كان ساكنًا بشكل غير طبيعي، وكأن البيت قرر أن يخفي ما كان يحدث قبل لحظات.
بدأ يفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر، وكل غرفة كان يجدها فارغة تقريبًا، أثاث قديم، غبار متراكم، جدران صامتة، ولا أي أثر يدل على وجود شخص آخر، حتى الممر نفسه بدا كأنه لم يُستخدم منذ سنوات طويلة، وكأن الخطوات التي سمعها لم تكن موجودة أصلًا.
استمر في البحث لدقائق طويلة حتى بدأ الشك يتسلل إليه، هل كان يتخيل كل ذلك؟ هل يمكن للعقل أن يصنع أصواتًا بهذا الوضوح؟ أم أن البيت نفسه يخدع حواسه بطريقة لا يفهمها؟ ومع كل سؤال كان يعود إلى نفس النتيجة دون إجابة واضحة.
عاد إلى الطابق السفلي أخيرًا وهو يحاول إقناع نفسه أن ما حدث مجرد وهم، وأن الإرهاق والتوتر يمكن أن يصنعا أشياء غير حقيقية، وجلس أمام الحاسوب مرة أخرى محاولًا أن يعود إلى عمله، لكن شيئًا ما لفت انتباهه في اللحظة التي نظر فيها إلى الشاشة.
كانت مضاءة.
تجمد مكانه.
كان متأكدًا تمامًا أنه أغلقها قبل أن يصعد إلى الأعلى، ومع ذلك كانت تعمل الآن وكأن أحدًا فتحها من جديد في غيابه، اقترب ببطء شديد حتى أصبح أمامها مباشرة، ثم رأى ما جعل الدم يتجمد في عروقه بالكامل.
كانت هناك جملة واحدة فقط على الشاشة.
"لماذا جئت؟"
حدق بها بصمت، ثم تكررت الجملة مرة أخرى أسفلها، ثم مرة ثالثة، وكأنها تُكتب وحدها دون توقف، حتى بدأت تملأ الشاشة بالكامل بشكل متسارع، بينما يوسف يقف عاجزًا لا يستطيع الحركة أو الفهم أو حتى التصديق.
وفي تلك اللحظة فقط، أدرك أن هذا البيت ليس مجرد مكان قديم… بل شيء يراقبه منذ لحظة دخوله.