عتبة النسيان
4 دقائق قراءة · 705 كلمة
توقفت سيارة الأجرة عند طرف الطريق الترابي الضيق، ثم غادرت تاركة خلفها سحابة خفيفة من الغبار سرعان ما ابتلعتها الرياح الباردة. بقي يوسف واقفًا في مكانه للحظات، يحمل حقيبته بيد وحاسوبه المحمول باليد الأخرى، وينظر إلى البيت الذي جاء من أجله.
كان المنزل يقف وحيدًا بين الأشجار الكثيفة، بعيدًا عن أقرب منزل بمسافة كبيرة. بدا كأنه قطعة من زمن قديم نُسيت في هذا المكان. جدرانه الرمادية فقدت لونها تحت تأثير السنوات، وسقفه المائل حمل آثار أمطار وعواصف لا تُحصى. أما الباب الخشبي الضخم في واجهته، فكان مطليًا بالأسود ذات يوم، لكن الطلاء تقشر في أماكن كثيرة حتى بدا كجلد ميت يتساقط عن جسد عجوز.
رفع يوسف عينيه نحو النوافذ العليا.
كانت جميعها مغلقة.
لا ضوء.
لا حركة.
لا شيء يوحي بوجود حياة خلفها.
ومع ذلك، شعر بشيء غريب لم يستطع تفسيره.
إحساس خافت بأن البيت يراقبه.
هز رأسه ساخرًا من نفسه.
لقد أمضى الأشهر الأخيرة كلها تقريبًا تحت ضغط مستمر. موعد تسليم روايته الجديدة اقترب كثيرًا، والناشر لم يعد يقبل المزيد من التأجيلات. كان بحاجة إلى مكان هادئ يبتعد فيه عن ضوضاء المدينة ومكالمات الأصدقاء ومشكلات الحياة اليومية. ولهذا السبب استأجر هذا المنزل القديم لعدة أسابيع، بعدما أخبره السمسار أن المكان معزول تمامًا ويوفر الهدوء الذي يبحث عنه أي كاتب.
أعاد النظر إلى البيت مرة أخيرة.
ثم تقدم نحو الباب.
كلما اقترب، ازدادت برودة الرياح حوله، حتى اضطر إلى رفع ياقة معطفه. وضع الحقيبة على الأرض وأخرج المفتاح الصدئ الذي تسلمه قبل يومين.
أدخل المفتاح في القفل.
دار بصعوبة.
ثم انفتح الباب بصرير طويل وحاد مزق الصمت المحيط بالمكان.
شعر يوسف بانقباض خفيف في صدره.
لم يكن السبب الصوت نفسه، بل ذلك الإحساس الغريب الذي تسلل إليه فور فتح الباب، وكأن المنزل كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.
دفع الباب ودخل.
استقبلته رائحة الغبار والرطوبة والخشب القديم.
كانت الصالة الرئيسية واسعة أكثر مما توقع. سقفها مرتفع، وتتدلى من وسطه ثريا ضخمة مغطاة بخيوط العنكبوت. انتشرت قطع الأثاث القديمة في أرجاء المكان تحت طبقات سميكة من الغبار، وكأن أحدًا غادر فجأة ولم يعد أبدًا.
أغلق الباب خلفه.
فارتفع صوت الارتطام داخل المنزل بطريقة جعلت الصالة تبدو أكبر وأكثر فراغًا.
تقدم ببطء وهو يتأمل المكان.
كان هناك سلم خشبي عريض يقود إلى الطابق العلوي، وممر طويل يمتد نحو عدة غرف جانبية، بينما اصطفت على الجدران لوحات قديمة باهتة اختفت ملامحها تقريبًا مع مرور الزمن.
وضع حقيبته قرب إحدى الأرائك.
ثم بدأ يتجول في الصالة.
كل شيء بدا قديمًا جدًا.
قديمًا أكثر مما وصفه السمسار.
لكنه لم يجد ما يدعوه للقلق.
كان المنزل يحتاج إلى بعض التنظيف لا أكثر.
أقنع نفسه بذلك وهو يتجه نحو الجدار الرئيسي في الصالة.
هناك توقف.
شيء ما لفت انتباهه.
إطار كبير معلق على الجدار.
فارغ.
لا صورة داخله.
ولا حتى بقايا صورة.
فقط مساحة باهتة تدل على أن شيئًا كان موجودًا هنا يومًا ما ثم أُزيل بعنف.
اقترب منه.
لاحظ خدوشًا حول أطراف الإطار، وكأن أحدهم انتزعه من مكانه في لحظة غضب أو خوف.
مد يده ولمس الخشب.
كان باردًا بصورة غريبة.
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم أطلق ضحكة قصيرة محاولًا كسر التوتر الذي بدأ يتسلل إليه دون سبب واضح.
وقال بصوت منخفض:
"مكان مثالي للعزلة."
لكن صوته لم يبدُ طبيعيًا داخل البيت.
تردد صداه في الصالة بطريقة جعلته يشعر كأنه ليس الوحيد الذي سمعه.
ساد الصمت من جديد.
صمت ثقيل.
صمت لا يشبه هدوء الأماكن المهجورة، بل يشبه انتظارًا طويلًا لشيء لم يحدث بعد.
توجه يوسف إلى المطبخ ثم إلى بقية الغرف في الطابق الأرضي، يتفقد المكان غرفة بعد أخرى. لم يجد شيئًا غير اعتيادي، لكن ذلك الشعور الغامض بقي ملازمًا له أينما ذهب.
ومع اقتراب المساء، بدأ الضوء يتلاشى خارج النوافذ.
تحولت الأشجار المحيطة بالمنزل إلى ظلال داكنة تتمايل مع الرياح.
وأخذت زوايا البيت تغرق تدريجيًا في العتمة.
عاد يوسف إلى الصالة وجلس على الأريكة.
أخرج حاسوبه المحمول ووضعه على الطاولة أمامه.
كان ينوي أن يبدأ الكتابة فورًا.
أن يستغل هدوء المكان لتحقيق ما جاء من أجله.
لكن تركيزه لم يكن حاضرًا.
كلما حاول التفكير في روايته، عاد نظره إلى الإطار الفارغ المعلق على الجدار.
بقي يحدق فيه لدقائق طويلة.
كانت هناك فكرة مزعجة ترفض مغادرة رأسه.
فكرة بسيطة جدًا.
إذا كانت الصورة قد أُزيلت فعلًا...
فلماذا تُرك الإطار معلقًا؟
ظل ينظر إليه حتى اختفت آخر خيوط الضوء خارج النوافذ.
وعندما عمّ الظلام المكان بالكامل، شعر يوسف بقشعريرة باردة تسري في جسده.
لم يكن يعرف سببها.
لكنه كان متأكدًا من شيء واحد.
هذا البيت...
لم يكن فارغًا كما يبدو.