الفصل الأول:أول ليلة 🌃
5 دقائق قراءة · 847 كلمة
# امرأة من لا أحد
## الفصل الأول: أول ليلة
---
وصلت روح إلى بيت منتهى وهي تحمل حقيبة صغيرة لا تملأ يداً، فيها ثلاث قطع ملابس وقطعة قماش بالية كانت تسميها "حبوبتي" لأنها لم تكن تملك اسماً أجمل تعطيه لشيء تحبه.
كان الليل قد سبقهما إلى البيت.
أوقف الأب السيارة أمام البوابة، ونزل دون أن يتكلم، فتح الباب لروح وأخرج حقيبتها الصغيرة ووضعها على الأرض كأنها طردٌ أوصله إلى عنوانه الصحيح. ثم رنّ الجرس.
فتحت منتهى الباب قبل أن ينتهي صوت الجرس، كأنها كانت تقف خلفه تنتظر. نظرت إلى أخيها نظرةً سريعة لم تحمل كلاماً، ثم نزلت بصرها إلى روح الواقفة بجانبه، تمسك "حبوبتها" بيد وتنظر إلى الأرض بالأخرى.
انحنت منتهى ببطء حتى صار وجهها في مستوى وجه روح. لم تقل شيئاً في البداية. فقط نظرت إليها بتلك العينين الواسعتين الهادئتين، وابتسمت ابتسامةً لا تستعجل نفسها.
— "روح؟"
رفعت الطفلة عينيها للمرة الأولى منذ نزلت من السيارة.
— "أنا منتهى. عمتك."
لم تقل أكثر من ذلك. لم تقل "لا تخافي" ولم تقل "كل شيء سيكون بخير" كما يقول الكبار حين لا يعرفون ماذا يقولون. فقط مدّت يدها الدافئة نحو روح وانتظرت.
نظرت روح إلى تلك اليد طويلاً.
ثم وضعت يدها الصغيرة فيها.
---
دخلتا البيت معاً وأغلقت منتهى الباب خلفها. لم تنظر إلى أخيها وهو يعود إلى سيارته. لم تودّعه. كأنها قرّرت في تلك اللحظة أن ما دخل بيتها أهم بكثير مما خرج منه.
كان البيت صغيراً بالحجم لكنه كان يشعرك بشيء غريب حين تدخله، شيء يشبه أن تخلع حذاءك بعد يوم طويل. الجدران كانت بيضاء بسيطة، وعلى الرف الخشبي صفٌّ من الكتب بعضها قديم وبعضها حديث، وفي الزاوية كرسيٌّ كبير وثير يبدو كأنه يعرف قصصاً كثيرة جلست فيه وحُكيت. وفي كل مكان كانت هناك رائحة، رائحة لم تستطع روح أن تسمّيها، خليط من الياسمين وشيء آخر دافئ يشبه رائحة الخبز حين يخرج من الفرن.
توقفت روح في وسط الصالة وأدارت رأسها الصغير ببطء تتأمل كل شيء.
نظرت منتهى إليها تراقبها بصمت وعلى وجهها ابتسامة خفيفة.
— "جائعه؟"
أومأت روح برأسها دون أن تتكلم.
---
في المطبخ، جلست روح على كرسي مرتفع بجانب الطاولة وهي تمسك "حبوبتها" بيدها، تراقب منتهى وهي تتحرك بين الثلاجة والموقد بخطوات تعرف أماكنها جيداً. لم تكن منتهى من النوع الذي يطبخ بضجيج، كانت هادئةً في مطبخها كما هي في كل مكان، تضع الأشياء في أماكنها دون صخب وتغلق الأدراج برفق.
أحضرت لها طبقاً فيه بيض مقلي وجبن وخبز طازج، ووضعت بجانبه كوباً صغيراً من الحليب الدافئ.
جلست منتهى أمامها ووضعت ذقنها على يدها وراحت تنظر إليها وهي تأكل.
لم تقل لها "كلي أكثر" ولم تقل "لماذا لا تأكلين" كما يفعل الكبار حين يجعلون من الأكل معركة. فقط جلست هناك، حاضرةً بهدوء.
بعد قليل، رفعت روح عينيها عن الطبق ونظرت إلى منتهى نظرةً سريعة ثم أعادتها إلى طبقها.
— "زاكي."
ابتسمت منتهى بكل وجهها.
— "الحمد لله يا روح."
وللمرة الأولى منذ زمن لا تعرف روح حدوده، جلست على طاولة وأكلت دون أن تشعر أنها تأخذ ما لا تستحقه.
---
بعد العشاء، أخذتها منتهى إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر. فتحت الباب وأشعلت النور، وكان النور دافئاً لا أبيض قاسياً.
كانت الغرفة مرتّبةً كأن أحداً أعدّها بعناية من قبل. سريرٌ أبيض بوسادتين ناعمتين وبطانية تشم فيها رائحة الشمس، وعلى الجدار رُسمت نجوم صغيرة بقلم أصفر كأن يداً صبورة رسمتها نجمةً نجمةً. وعلى الرف الصغير بجانب السرير وُضع دبٌّ صغير يرتدي وشاحاً أحمر.
دخلت روح ببطء. نظرت إلى النجوم، ونظرت إلى الدب، ونظرت إلى السرير.
— "هدي غرفتي؟"
— "هدي غرفتك."
مشت روح نحو الرف ومدّت يدها إلى الدب الصغير وأمسكته. نظرت إليه، ثم نظرت إلى "حبوبتها" التي في يدها الأخرى. ووضعت الدب بجانب "حبوبتها".
نظرت إليها منتهى وفي عينيها شيء دافئ لا اسم له.
---
حين جلست روح على السرير، جلست منتهى بجانبها على الحافة. وكان الليل قد صار أثقل والصمت أعمق.
— "تبين قصة؟"
نظرت إليها روح بعيون تصارع النوم وقالت بصوت فيه بقايا يقظة:
— "أيه."
ابتسمت منتهى وبدأت تحكي بصوت منخفض يشبه الموسيقى حين تعزف من بعيد.
حكت عن مملكة في قعر البحر، مملكة زرقاء تضيئها أسماكٌ تحمل في بطونها ضوءاً خاصاً بها. وفي تلك المملكة كانت هناك سمكةٌ صغيرة اسمها روح، سمكةٌ لا تعرف أنها تملك أجمل زعانف في البحر كله، لأنها كانت دائماً تنظر إلى الأسفل وتسأل نفسها لماذا لا تشبه الأسماك الأخرى.
لكن في كل مكان تمرّ فيه، كانت الأعشاب البحرية تنحني، والأصداف تفتح أبوابها، والسمكات الصغيرة تتبعها دون أن تعرف هي لماذا.
لم تسمع روح نهاية القصة.
كانت قد غرقت في نوم عميق هادئ، وعلى وجهها ابتسامةٌ خفيفة كأن القصة دخلت إلى أحلامها قبل أن تنتهي.
أطفأت منتهى النور ببطء، وظلت لحظة واقفة على عتبة الغرفة تنظر إلى تلك الطفلة الصغيرة التي جاءت إلى بيتها بحقيبة لا تملأ يداً وقلب مليء بما لا تعرف اسمه بعد.
أطفأت النور.
وهمست بشيء لم تسمعه روح:
— "أنا هنا يا صغيرتي. من هنا ما تروحي لأي مكان وحدك."
---
وفي تلك الليلة، للمرة الأولى منذ جاءت ريان إلى الدنيا، نامت روح دون أن تنتظر شيئاً.
لأنها لم تكن بحاجة إلى أن تنتظر.
كان كل شيء تحتاجه موجوداً في غرفة صغيرة فيها نجوم رُسمت بقلم أصفر ودبٌّ يرتدي وشاحاً أحمر وعمّةٌ لا تعرف كيف تحب بصوت عالٍ، لكنها تعرف كيف تجعلك تشعر أن وجودك في هذا العالم ليس خطأً.
بقلم أم الجمــان✍💗️
---
يتبع... الفصل الثاني: رائحة الفجر 🌿