عِنْدَمَا صَادَقْتُ عُزْلَتِي
دقيقة واحدة قراءة · 194 كلمة
كُلُّ ما رغبتُ به ابتعدَ عنّي، كأنَّ الأُمنياتِ خُلقت لتُهاجرَ بعيداً عن قلبي؛ إلّا أُمنيةً واحدةً، حين دعوتُها بصدقٍ خالٍ من التردّدِ جاءتني على طبقٍ من ذهب: الوحدة.
اليومَ أعيشُها لا كفراغٍ مؤلمٍ، بل كمساحةٍ آمنةٍ تخصّني وحدي؛ كغرفةٍ في داخلي لا يملكُ مفاتيحَها أحدٌ سواي، غرفةٍ جدرانها من طمأنينة وسقفها من سلام. بلغتُ من التصالحِ معها أنَّ وجودَ الآخرينَ قربَ روحي لم يعد يطمئنني كما كنتُ أظنُّ، بل صارَ يربكُني ويُشتّتُ سكوني، وكأنَّ الزحامَ صارَ ضجيجاً يخدشُ هدوءَ ذاتي. فإذا جلسَ أحدٌ إلى جواري، شعرتُ كأنّه يتعدّى على حدودِ وطني، على الأرضِ الوحيدةِ التي ما زلتُ أنتمي إليها بصدقٍ.
هناك، حيثُ أكونُ نفسي بلا أقنعةٍ، ولا أُضطرُّ إلى تفسيرِ صمتي أو تبريرِ هدوئي؛ فالصمتُ في حضرةِ النفسِ بيان. الوحدةُ لم تعد هروباً، بل اختياراً واعياً، وصمتُها لم يعد وجعاً، بل سلاماً يشبهُني ويمنحُني اتّساعاً أشعرُ فيه بالحريةِ؛ أستطيعُ أن أسمعَ نبضَ أفكاري، وأرى حقيقتي كما هي؛ بدونِ زيفٍ، بدونِ خضوعٍ، وبدونِ انتظارٍ.
الآن أدركتُ أنَّ السلامَ الحقيقيَّ لا يُستجدى من الآخرين، بل ينبعُ من الداخلِ حين أحتضنُ وحدتي وأتقبّلُ نفسي بكلِّ ما فيها. وهكذا صرتُ حُرّةً… حُرّةً في صمتي، حُرّةً في كياني، حُرّةً في خطواتي؛ لقد أصبحت وحدتي هي الملاذ، والوطن الذي لا يُغادره النور أبداً.