لا أعرف من أنابقلم صدى القارئ فصل 2

من هناك؟

3 دقائق قراءة · 590 كلمة

بقيت واقفًا مكاني بعد أن ارتطمت بالحائط، أنفاسي متسارعة بشكل غير منتظم، وكأن صدري لم يعد قادرًا على مواكبة ما يحدث داخلي، ولم أجرؤ على التحرك أو حتى النظر مجددًا إلى المرآة، لأنني شعرت أن أي محاولة لفهم ما حدث ستجعل الأمور أكثر سوءًا، وأكثر واقعية مما أحتمل.

مرّت ثوانٍ طويلة دون أن أسمع شيئًا، لا صوت، لا حركة، لا أي دليل يؤكد ما سمعته قبل لحظات، وكأن الغرفة قررت فجأة أن تعود إلى طبيعتها، لكن هذا الصمت لم يكن مريحًا، بل كان ثقيلًا، خانقًا، كأنه يخفي شيئًا ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر من جديد.

أخذت نفسًا عميقًا بصعوبة، وحاولت أن أتمالك نفسي، ثم رفعت رأسي ببطء شديد، وأجبرت نفسي على النظر إلى المرآة مرة أخرى، كأنني أختبر شجاعتي، أو ربما أختبر جنوني.

انعكاسي كان هناك.

ثابت.

صامت.

ينظر إليّ بنفس الارتباك الذي أشعر به.

للحظة، شعرت أن كل ما حدث كان مجرد وهم، ردّة فعل مبالغ فيها من عقلي، محاولة لتفسير ذلك الفراغ الذي أشعر به، لكن هذا الإحساس لم يستمر طويلًا، لأن شيئًا في داخلي لم يهدأ، لم يقتنع، بل كان يهمس بأن ما حدث حقيقي… أكثر مما أريد تصديقه.

اقتربت خطوة صغيرة، ببطء شديد، وكأنني أخشى أن أكسر هذا التوازن الهش بين الواقع والشك، ثم رفعت يدي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم أركز على الحركة نفسها، بل على الشعور الذي يسبقها، وكأنني أبحث عن أي تدخل، أي مقاومة من ذلك الشيء الذي سمعته.

انعكاسي تحرك معي تمامًا.

بدون تأخير.

بدون اختلاف.

وهذا ما جعل التوتر داخلي يزداد بدل أن يخف.

“أنا عم بتخيل…” قلتها لنفسي، بصوت منخفض، وكأنني أحاول إقناع نفسي أكثر من أي أحد آخر.

لكن الرد جاء فورًا.

هادئًا.

قريبًا.

وثابتًا بشكل مخيف:

“لو كان تخيّل… كان خلص.”

توقفت يدي في الهواء.

لم أتحرك.

حتى تنفسي كاد أن يتوقف.

“شو بدك مني…؟” سألت بصعوبة، وشعرت أن الكلمات خرجت مني مجبرة، وكأنها ليست خياري.

صمت الصوت لثوانٍ، ثم عاد، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة قليلًا، أقل حدة… وأكثر وضوحًا:

“ولا إشي… أنا موجود أصلاً.”

بلعت ريقي، ونظرت إلى نفسي في المرآة مرة أخرى، لكن هذه المرة لم أبحث عن اختلاف، بل عن دليل.

أي دليل.

“من إمتى…؟” سألت، دون أن أفكر.

لم أعرف لماذا سألت هذا السؤال تحديدًا، لكنني شعرت أنه الأهم.

سكت الصوت قليلًا، وكأن الإجابة تحتاج وقتًا، أو ربما كأنني أنا من لا يريد سماعها.

ثم قال ببطء:

“من قبل ما تتذكر.”

تجمدت.

شعرت أن الأرض لم تعد ثابتة تحتي، وأن كل شيء بدأ يفقد معناه تدريجيًا، لأن هذه الجملة لم تكن مجرد إجابة، بل كانت كفيلة بهدم أي إحساس بالسيطرة كنت أتمسك به.

“يعني شو…؟” همست، وعيني لا تزال مثبتة على المرآة.

لكنني لم أعد أرى نفسي فقط.

كنت أرى شكّي.

خوفي.

والفراغ الذي لا أستطيع تفسيره.

“يعني…” قال الصوت بهدوء شديد، “مو كل شي عشته… كان إلك.”

تراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي، واصطدمت مرة أخرى بالحائط، لكنني لم أشعر بالألم هذه المرة، لأن ما سمعته كان أقسى من أي شيء جسدي.

حاولت أن أتذكر.

أي شيء.

أمس… قبل يوم… قبل أسبوع…

لكن كل ما وجدته كان مشوشًا، غير مكتمل، وكأن حياتي مليئة بلحظات مفقودة لم ألاحظها من قبل.

“أنت… شو؟” سألت أخيرًا، بصوت ضعيف.

لم يجب مباشرة.

ثم قال:

“أنا الجزء اللي ما بدك تشوفه.”

ساد الصمت.

لكن هذه المرة، لم يكن فارغًا.

كان مليئًا بمعنى لم أستطع استيعابه بالكامل.

نظرت إلى المرآة للمرة الأخيرة.

لم يتحرك انعكاسي.

لم يبتسم.

لم يتأخر.

كل شيء كان طبيعيًا.

وهذا تحديدًا ما جعل الخوف داخلي يكبر.

لأنني بدأت أفهم شيئًا واحدًا فقط…

المشكلة لم تكن فيما أراه.

بل فيما لا أراه.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن الصوت لن يختفي.

لن يصمت.

ولن يتركني.

لأن وجوده… لم يبدأ الآن.

بل أنا فقط… من بدأ يسمعه.