شعور لا يراه أحد
دقيقتان قراءة · 340 كلمة
كنت دائمًا أشعر بالوحدة… رغم أنني أحبّ الناس.
أحبّ الجلسات والضحكات، وتلك الوجوه التي تجتمع حول طاولة واحدة، وكأنها تهرب من صمتٍ دفين يسكنها من الداخل.
ومع ذلك، كان هناك صوت خافت لا يهدأ… يهمس في أعماقي: أنت وحدك.
لم أفهم يومًا سبب هذا الوجع. ربما لأن العقول لا تتشابه، وربما لأن فهم الإنسان للإنسان أصبح نادرًا، كأثرٍ ضائع في عالم جاف.
الغريب أنني أقرأ الناس كما تُقرأ الكتب، لا من عناوينها، بل من المسافات بين سطورها… من حركة صغيرة، من نظرة عابرة، أستطيع أن أرى ما لا يُقال. أعرف من يحبني بصمت، ومن يكرهني بلباقة، ومن يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره.
لا أدري إن كانت هذه نعمة من الله… أم عبءٌ ثقيل يجعل القلب أكثر وحدة مما هو عليه.
يظنني البعض شابًا عاديًا، تمر عليه الأمور كما تمر على غيره… لكن الحقيقة أنني أرى أكثر مما يُقال، وأفهم أكثر مما يبدو.
أحيانًا أشعر وكأنني أراقب العالم من خلف زجاجٍ غير مرئي… الناس يمشون في طرقهم، كلٌّ منهم يحمل داخله شيئًا لا يبوح به. كل ضحكة تخفي تعبًا، وكل ابتسامة تغطي جرحًا لا يُشفى.
ومعظم ما أردته في حياتي لم يحدث كما تخيلت… كأن الحظ يمرّ بي دون أن يلتفت، وكأن العالم يضع أمامي عثرات لا تنتهي.
ومع ذلك، لم أحسد أحدًا يومًا. كنت أفرح لنجاح الآخرين، حتى وإن ابتعدوا عني، وحتى وإن أخذتهم الحياة في طرقٍ لا تشبه طريقي.
لكن السنوات الأخيرة كشفت لي وجوه العالم كما هي، بلا أقنعة… لم تعد الروابط كما كانت؛ لا عمّ، ولا خال، ولا ابن عم كما في السابق. صار كل إنسان يدور في دائرته الضيقة، ويهمس لنفسه: نفسي أولًا… ثم نفسي… ثم نفسي.
والغريب أن الشمس ما زالت تشرق من الشرق، وتغيب في موعدها، والأيام ما زالت تدور بانتظامها البارد… لكن شيئًا ما في البشر هو الذي اختلّ.
كل واحد يقول: “الناس تغيّرت.”
لكن إذا كان الجميع يقول الجملة نفسها… فمن الذي تغيّر حقًا؟
أحيانًا أفكر أن الأمر ليس مؤامرة، ولا سوء حظ، ولا حتى قدرًا غامضًا… ربما نحن من صنعنا هذا البعد بأيدينا، وكسرنا القرب دون أن نشعر.
وصار الصمت بيننا أكبر من أي صراخ… صمتٌ لم يعد أحد يسمعه.