حين لا يعود الجنود🖤بقلم User 8774 فصل 1

الحب في زمن الغياب

3 دقائق قراءة · 555 كلمة

ليلى جلست على نافذة غرفتها الصغيرة، حيث الهواء البارد يتسلل عبر الزجاج القديم، يحمل معه رائحة الأرض المبللة بالمطر، وأصوات خطوات المارة، وأحيانًا صدى ضحكات الأطفال من الأزقة البعيدة. قلبها كان يرفرف بلا توقف، كما لو أن كل خفقة تحمل معها رسالة تنتظر أن تصل إلى سامر، الذي غادر منذ أيام الحرب الأولى.

تذكرت يوم لقائه الأول بوضوح لا يترك مجالًا للنسيان: تحت شجرة ضخمة في ساحة البلدة القديمة، حيث تساقطت أوراق الخريف كأنها ترقص على نغمة الريح، رأته واقفًا صامتًا، عيناه تبحثان عنها قبل أن تلتقي عيناه بعينيها. شعرت حينها أن الزمن قد توقف للحظة، وأن كل شيء في العالم أصبح ثانويًا أمام تلك النظرة، أمام تلك الابتسامة الخجولة التي حملت ألف وعد لم يُقل بعد.

جلست بجواره على حجر قديم، وكانت الرياح تعصف بأوراق الأشجار، وتتناثر على الأرض، وكأنها تحاول أن تحمل معها لحظات اللقاء إلى الأبد. كانت الكلمات قليلة، لكنها غنية، مليئة بالمعاني الخفية، فكان صمتهما أبلغ من أي كلام. لم يكن مجرد حب، بل كان شعورًا بالاكتمال في لحظة واحدة، لحظة جعلتها تشعر بأنها تعرف الروح التي أمامها قبل الجسد.

ثم جاءت الحرب، وجرفت الأيام بينهما مثل عاصفة قوية، وأخذت سامر بعيدًا عنها، تاركًا خلفه وعدًا بأنه سيعود مهما حدث، ووعدًا لم تكن تعرف أن الزمن سيثقل على قلبها حين يأتي الفراق. ليالي الانتظار أصبحت طويلة، كل ساعة تمر وكأنها سنة، وكل رسالة تأتي متأخرة كانت كرمز لأمل قديم يوشك على الانطفاء.

كانت ليلى تمشي في الشوارع الضيقة، ترى الأزقة، ترى البيوت القديمة، كل شيء يذكّرها به. الرياح التي تمر بين الأشجار تذكرها بيده التي كانت تمسك يدها لأول مرة، والظل الطويل للشجرة التي جلسا تحتها يحكي عن ضحكاتهم الصغيرة، حديثهم الصامت، واللحظات التي لم تكملها الحياة.

في المساء، كانت تجلس بجانب المدفأة، تحمل وسادتها كما لو كانت تعانق قلبه، وتحدثه عن كل شيء حدث في يومها، حتى لو كان لن يسمعها. كانت دموعها تنزل بلا توقف، كل دمعة تحمل معها جزءًا من روحها، وكل كلمة تهمس بها للرياح تأمل أن تصل إليه.

كانت تعلم أن الحب وحده لا يكفي للبقاء، وأن بعض الجنود يغادرون الحياة بلا وداع، لكن قلبها كان متمسكًا به، لأنه أصبح جزءًا من روحها، جزءًا لن يتركه الزمن ولا الحرب. كل ليلة كانت تحلم به، كان يأتي في أحلامها مبتسمًا، يضمها بين ذراعيه، يهمس لها أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكنها تستيقظ لتجد الوسادة مبتلة بالدموع، والفراش فارغًا، والعالم صامتًا، إلا قلبها الذي يصرخ باسمه.

كل صباح، كانت تمسك كوب القهوة، تحدق في الخارج، تتخيل أن الريح تحمل له رسالة منها، أن الشمس ربما تسافر إليه لتخبره كم تحبه، لكن الواقع يضربها بقسوته: هو بعيد جدًا، وحياتها أصبحت تقاس بالذكريات، لا باللحظات المشتركة.

كانت كل يوم تتعلم درسًا جديدًا في الحب والفقد: كيف تحب بلا مقابل، كيف تنتظر بلا وعد مضمون، كيف يعيش القلب بين الألم والأمل، بين الحب والفقد. كانت تمشي في السوق، ترى الأزواج يسيرون جنبًا إلى جنب، الأطفال يلعبون، وكل شيء يذكّرها بما فقدت. كل يوم يمر كان كدرس جديد في الألم والصبر، وكل ذكرى له كانت تضيف عبئًا ثقيلاً على قلبها، لكنه عبء مليء بالحب الذي لا يموت.

في نهاية اليوم، جلست بجانب النافذة، تحدق في السماء المظلمة، تتخيل أنه يحدق بنفس النجوم، وأنهما معًا في نفس الليل، حتى لو كانت المسافة بينهما لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالدموع، الذكريات، والحنين الذي لا ينتهي.

كانت تعرف أن قلبها سيبقى مشتعلاً بحبه، حب لن يعرف النهاية أبدًا، حب يجعلها تعيش رغم الألم، رغم الفقد، رغم كل دمعة سقطت على وسادتها في الليالي الطويلة