أول الغرق
دقيقتان قراءة · 372 كلمة
مرت سنوات طويلة منذ تلك الليلة التي قال فيها أبي كلماته الغامضة.
تغيّرت خلالها وجوه كثيرة، واختفى أشخاص وظهر آخرون… لكن شيئًا واحدًا لم يتغير: صوت أبي.
كان يعود إليّ أحيانًا بلا سبب، كأنه صدى بعيد يأتي من مكان لا أراه.
وكلما سمعته في داخلي، شعرت أن هناك معنى يختبئ خلفه… معنى لم أستطع الوصول إليه بعد.
كبرت أكثر، وبدأت أرى العالم بعيون مختلفة.
لم أعد أراه كما يراه الأطفال… بل بدأت أرى ما وراء الوجوه.
في الحي الذي نشأت فيه، كان هناك رجل يُدعى سليم.
كان الجميع يعرفه منذ سنوات.
بدأ حياته شابًا بسيطًا، يعمل في متجر صغير، يضحك مع الناس ويساعد جيرانه دون تردد.
لكن شيئًا ما تغيّر فيه مع الوقت.
دخل المال إلى حياته.
في البداية كانت تجارة صغيرة هنا، وصفقة هناك… ثم بدأ كل شيء يتبدل تدريجيًا.
لم يعد يبتسم كما كان، ولم يعد يقف مع الناس كما اعتاد.
صار يتحدث دائمًا عن المال، عن الربح، عن الفرص، وعن الطرق السريعة التي تجعل الإنسان غنيًا.
وكان يردد دائمًا:
"في هذا العالم، من لا يأخذ… يُؤخذ منه."
ومع مرور الوقت، أصبح سليم من أغنى رجال الحي.
اشترى بيتًا كبيرًا، وسيارة فاخرة، وبدأ الناس ينادونه بـ"الحاج سليم".
لكنني كنت أراه أحيانًا… حين يظن أن لا أحد يراقبه.
كان يجلس وحده ليلًا أمام متجره القديم، يحدّق في الأرض طويلًا، كأنه يبحث عن شيء ضاع منه.
لم يكن يبدو سعيدًا.
وذات ليلة، رأيته يصرخ في وجه رجل فقير جاء يطلب منه تأجيل دين بسيط.
كان الرجل يتوسل، وصوته يرتجف، لكن سليم لم يتراجع.
طرده بقسوة، وأغلق الباب في وجهه.
وقفت هناك بصمت أراقب المشهد…
وفي تلك اللحظة، عاد صوت أبي إلى داخلي مرة أخرى:
"يا بني… اركب معنا."
لم أفهم لماذا حضرت هذه الجملة تحديدًا في تلك اللحظة…
لكن شيئًا في داخلي أخبرني أنني كنت أرى شيئًا مهمًا.
رأيت إنسانًا يملك كل شيء… لكنه فقد شيئًا لا يُشترى بالمال.
مشيت في الشارع تلك الليلة وأنا غارق في التفكير.
ربما… ربما هناك نوع آخر من الغرق.
غرق لا يراه أحد.
غرق يحدث ببطء شديد… حتى يكتشف الإنسان بعد سنوات أنه ابتعد كثيرًا عن نفسه التي كان عليها يومًا.
رفعت رأسي نحو السماء المظلمة، ومرّت كلمات أبي في ذهني من جديد، هادئة كما كانت دائمًا:
"يا بني… اركب معنا."
ولأول مرة في حياتي… شعرت أن هذه الكلمات لم تكن مجرد نصيحة، بل كانت تحذيرًا.